ضغوط الأمومة.. عندما تشعر الأم أنها لا تفعل ما يكفي

ضغوط الأمومة.. عندما تشعر الأم أنها لا تفعل ما يكفيصورة تعبيرية

آدم وحواء2-9-2026 | 21:20

تعيش كثير من الأمهات تحت ضغط مستمر يجعل الأمومة تبدو أحيانًا وكأنها مهمة لا تنتهي من التقييم والمراجعة، فمع كل قرار يتعلق ب الطعام أو الدراسة أو استخدام الشاشات أو طريقة التعامل مع نوبات الغضب، قد تجد الأم نفسها تسأل: هل فعلت الصواب؟ وهل كان يمكن أن أتصرف بطريقة أفضل؟

وترى الدكتورة هند جمال، استشاري العلاقات الأسرية، أن هذا الشعور لا يأتي من مسؤوليات الأم وحدها، وإنما يتشكل نتيجة تداخل عوامل اجتماعية ونفسية كثيرة، من بينها كثرة النصائح المتعلقة بالتربية، والخوف من ارتكاب الأخطاء، ومقارنة الأسرة بغيرها، فضلًا عن الصورة المثالية التي أصبحت بعض الأمهات يواجهنها يوميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتوضح أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة الطبيعية في رعاية الطفل إلى محاولة مستمرة لإثبات أن الأم تقوم بدورها على أكمل وجه. فبدلًا من أن تسأل نفسها عما يحتاجه طفلها في موقف معين، قد تنشغل بتقييم أدائها هي، وهل تتصرف كما ينبغي وفق المعايير التي وضعتها لنفسها أو التي فرضها المحيط عليها.

وتقول د. هند جمال إن تعدد مصادر المعلومات المتعلقة بتربية الأطفال جعل الأم أمام كم هائل من الآراء والنصائح، وقد يكون بعضها متعارضًا مع الآخر.

وهنا يمكن أن تشعر بأنها مطالبة بمعرفة الطريقة المثالية للتعامل مع كل موقف، رغم أن الأطفال يختلفون في شخصياتهم واحتياجاتهم، وما ينجح مع طفل قد لا يكون مناسبًا لطفل آخر.

وتلفت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي زادت من حدة المقارنات، لأن الأم ترى يوميًا نماذج منتقاة من حياة أسر أخرى؛ أم تبدو هادئة طوال الوقت، وأخرى تنشر وجبات أطفالها المنظمة، وثالثة تعرض جدولًا مثاليًا للدراسة والأنشطة.

وقد تنسى المرأة أن ما تراه هو جزء محدود من حياة الآخرين، وليس الصورة الكاملة لما يحدث داخل منازلهم.

وتؤكد استشاري العلاقات الأسرية أن المقارنة المستمرة قد تجعل الأم تنظر إلى نقاط ضعفها بعدسة مكبرة، بينما تتعامل مع الصورة التي يقدمها الآخرون على أنها واقع كامل.

ومن هنا يبدأ شعور داخلي بأنها أقل نجاحًا أو أقل قدرة على إدارة أسرتها، حتى لو كانت في الحقيقة تبذل جهدًا كبيرًا.

وتشير د. هند جمال إلى أن بعض الضغوط قد تأتي في صورة أسئلة تبدو عادية من المحيطين، لكنها تتراكم مع الوقت داخل نفس الأم؛ مثل التساؤل عن سبب تأخر الطفل في النوم، أو طريقة تناوله للطعام، أو عدد ساعات استخدامه للأجهزة، أو أسلوب الأم في وضع الحدود. ومع تكرار هذه الملاحظات، قد يتحول صوت الآخرين إلى صوت داخلي، فتبدأ الأم في محاسبة نفسها حتى في المواقف التي لا تستدعي ذلك.

وقد تعيش يومها وهي تبحث عن الأخطاء بدلًا من ملاحظة ما أنجزته بالفعل. وترى أن الشعور بالذنب من أكثر المشاعر التي ترهق الأمهات، خاصة عندما يواجهن مشكلة تخص الطفل. فإذا مرض الطفل قد تلوم نفسها، وإذا واجه صعوبة دراسية قد تعتقد أنها لم تمنحه الاهتمام الكافي، وإذا مر بنوبة غضب فقد تعيد التفكير في طريقة تربيتها له.

لكن الدكتورة هند جمال تؤكد أن وجود مشكلة لدى الطفل لا يعني تلقائيًا أن الأم تسببت فيها، موضحة أن الطفل يمر بمراحل مختلفة من النمو، ويواجه تحديات طبيعية، وقد يتأثر بعوامل كثيرة لا تستطيع الأم التحكم فيها بالكامل.

وتضيف أن الأمومة ليست عملية يمكن من خلالها منع كل المشكلات عن الطفل، لأن جزءًا أساسيًا من دور الوالدين هو مساعدة الطفل على التعامل مع الصعوبات، وليس إلغاء الصعوبات من حياته.

وتوضح أن أحد أسباب الإرهاق النفسي لدى الأمهات هو أن العمل الذي يقمن به يوميًا لا ينتهي فعليًا. فبعد إعداد الطعام تأتي مسؤوليات أخرى، وبعد الانتهاء من الواجبات تظهر احتياجات جديدة، وبعد حل مشكلة سلوكية قد تظهر مشكلة مختلفة في اليوم التالي.

ولهذا قد تنهي الأم يومًا كاملًا من العمل والرعاية والمتابعة وهي لا تتذكر سوى الأشياء التي لم تستطع إنجازها، فتشعر بأنها قصرت رغم أنها قدمت الكثير.

وتنصح د. هند جمال الأم بتغيير طريقة تقييمها لنفسها، بدلًا من البحث عن إجابة لسؤال: "هل كنت أمًا مثالية اليوم؟"، يمكن أن تسأل نفسها: "هل حاولت فهم طفلي؟ وهل تعاملت مع احتياجاته بأفضل قدر استطعت إليه في ظل ظروفي؟".

وتؤكد أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الأم، بل يمكن أن يكون جزءًا صحيًا من التربية. فالأطفال لا يحتاجون إلى والدين لا يخطئون أبدًا، وإنما يحتاجون إلى علاقة يشعرون فيها بالأمان، ويعرفون أن الخطأ يمكن إصلاحه، وأن الاعتذار والتعلم جزء طبيعي من العلاقات الإنسانية.

كما تشدد على أهمية وضع حدود للنصائح الخارجية، موضحة أن الاستماع إلى آراء الآخرين ليس مشكلة في حد ذاته، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح كل نصيحة معيارًا تحاكم الأم نفسها بناء عليه.

وتنصح بأن تختار الأم مصادر موثوقة للمعلومات المتعلقة بالتربية والصحة، وأن تضع في اعتبارها شخصية طفلها وظروف أسرتها، بدلًا من تطبيق كل ما تراه أو تسمعه بصورة حرفية.

وتشير إلى ضرورة الانتباه إلى المقارنة الرقمية، خصوصًا إذا كانت متابعة محتوى الأمهات على مواقع التواصل تجعل المرأة تشعر باستمرار بأنها لا تقوم بما يكفي. وفي هذه الحالة قد يكون تقليل متابعة هذا النوع من المحتوى أو اختيار الحسابات التي تقدم معلومات واقعية وغير مثالية خطوة مفيدة لحماية الصحة النفسية.

وتضيف أن الأم تحتاج كذلك إلى مساحة خاصة بها بعيدًا عن دورها كأم، حتى لو كانت هذه المساحة بسيطة ومحدودة. فالراحة وممارسة نشاط تحبه المرأة أو الحصول على وقت هادئ بمفردها ليست أنانية، وإنما تساعدها على استعادة طاقتها والعودة إلى مسؤولياتها بصورة أفضل. وتحذر د. هند جمال من تجاهل الإرهاق النفسي الشديد، خصوصًا عندما يتحول الشعور بالذنب إلى حالة مستمرة أو تصبح الأم مقتنعة بأنها تفشل في كل ما تفعله.

كما أن استمرار القلق أو الحزن أو فقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة يستحق الانتباه والتقييم المتخصص.

وتؤكد أن طلب المساعدة لا يعني أن الأم غير قادرة على تحمل مسؤولياتها، بل قد يكون دليلًا على وعيها بحاجتها إلى الدعم.

ويمكن أن يكون الدعم من الشريك أو الأسرة أو الأصدقاء، أو من متخصص نفسي وأسري عندما تتجاوز الضغوط قدرة المرأة على التعامل معها بمفردها.

وفي النهاية، ترى الدكتورة هند جمال أن الأمومة لا يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد التي تحدد للأم إن كانت ناجحة أم فاشلة، لأن كل أسرة لها ظروفها، وكل طفل له شخصيته واحتياجاته، وكل أم لديها طاقة وقدرات تختلف من مرحلة إلى أخرى.

وتختتم بأن الهدف الحقيقي ليس الوصول إلى أم لا تخطئ، وإنما بناء علاقة آمنة ومرنة مع الطفل، تستطيع فيها الأم أن تتعلم من تجاربها وتراجع قراراتها دون أن تحول كل خطأ إلى اتهام لنفسها. فالأم ليست مطالبة بأن تثبت جدارتها كل يوم، وإنما بأن تكون حاضرة قدر استطاعتها، وأن تمنح طفلها الحب والحدود والدعم، مع منح نفسها الحق نفسه في الرحمة والتفهم.

أضف تعليق

7 توجيهات رئاسية.. الرئيس ينتصر للمواطن

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان