كيف يبني الأهل نمط حياة صحيًا لأطفالهم مع العودة إلى المدارس؟

كيف يبني الأهل نمط حياة صحيًا لأطفالهم مع العودة إلى المدارس؟صورة تعبيرية

منوعات3-9-2026 | 23:21

مع انطلاق العام الدراسي، لا يقتصر اهتمام الأسرة على تجهيز الحقائب و الكتب والزي المدرسي، بل تمتد الاستعدادات إلى تهيئة الطفل لنمط حياة يساعده على الحفاظ على صحته الجسدية والنفسية، ويمنحه القدرة على التركيز والتحصيل الدراسي والتفاعل بشكل أفضل داخل المدرسة.

وفي مرحلة الطفولة والمراهقة تحديدًا، تتشكل الكثير من السلوكيات اليومية التي قد تتحول مع الوقت إلى عادات ثابتة تستمر خلال مراحل العمر المختلفة، لذلك فإن تعويد الطفل منذ الصغر على النوم المنتظم، والحركة، والغذاء المتوازن، وتقليل الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية، يمثل استثمارًا مهمًا في صحته على المدى الطويل.

ويقول الدكتور مصطفى البحيري، استشاري التغذية، إن العودة إلى المدرسة فرصة مناسبة لإعادة تنظيم روتين الطفل اليومي، خاصة بعد فترة الإجازة التي قد تتغير خلالها مواعيد النوم والوجبات ومستويات النشاط البدني، موضحًا أن الهدف ليس فرض قيود صارمة على الطفل، وإنما بناء مجموعة من العادات الصحية بطريقة تدريجية يمكنه الالتزام بها.

ويشير إلى أن النوم يمثل أحد أهم عناصر صحة الطفل والمراهق، لأن الجسم والدماغ يحتاجان خلال هذه المرحلة إلى فترات راحة كافية لدعم النمو والتطور والقدرة على التركيز. كما أن اضطراب النوم أو عدم الحصول على ساعات كافية قد ينعكس على نشاط الطفل ومزاجه وقدرته على أداء مهامه اليومية.

وينصح استشاري التغذية بأن تحرص الأسرة على تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ قدر الإمكان، مع توفير أجواء هادئة ومناسبة للنوم، والابتعاد عن استخدام الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية قبل النوم، خصوصًا إذا كان الطفل يميل إلى السهر بسبب الألعاب أو مشاهدة المحتوى الرقمي.

ويضيف الدكتور مصطفى البحيري أن الاستخدام المفرط للشاشات أصبح من السلوكيات التي تحتاج إلى تنظيم داخل الأسرة، مشددًا على أن المشكلة لا ترتبط بمجرد استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو الألعاب الإلكترونية، وإنما بطول الفترة التي يقضيها الطفل أمام الشاشة على حساب النوم والحركة والتفاعل الأسري والاجتماعي.

ويفضل، بحسبه، وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، بحيث يكون للطفل وقت محدد للترفيه الإلكتروني، مع تشجيعه في المقابل على ممارسة أنشطة بدنية أو هوايات أخرى، مثل ركوب الدراجة أو المشي أو السباحة أو ممارسة رياضة يحبها، بما يساعده على تحقيق قدر أكبر من التوازن في يومه.

أما التغذية، فيؤكد الدكتور مصطفى البحيري أن وجبة الطفل المدرسية يجب ألا تكون مجرد طعام يسد الجوع، وإنما فرصة لتوفير مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم خلال ساعات الدراسة.

ويوضح أن الوجبات اليومية ينبغي أن تعتمد بصورة أساسية على التنوع، بحيث يحصل الطفل على مصادر مختلفة من البروتين، إلى جانب الخضراوات والفواكه والحبوب، مع اختيار منتجات الألبان أو البدائل المناسبة لها وفق احتياجات الطفل.

ويشدد على أهمية عدم التعامل مع الطعام الصحي باعتباره عقابًا أو حرمانًا، لأن إجبار الطفل على تناول أطعمة لا يحبها قد يجعله أكثر رفضًا لها، بينما يمكن للأهل تقديم الخيارات الصحية بصورة جذابة ومتنوعة، وإشراك الطفل في اختيار بعض مكونات وجبته أو إعدادها.

ومن العادات التي ينصح بها استشاري التغذية أيضًا الاهتمام بوجبة الإفطار قبل الذهاب إلى المدرسة، إذ يمكن أن تساعد الوجبة المتوازنة على توفير الطاقة اللازمة لبداية اليوم، بدلًا من الاعتماد على الحلويات والمخبوزات الغنية بالسكر أو شراء الأطعمة غير الصحية بصورة متكررة من خارج المنزل.

كما يلفت الدكتور مصطفى البحيري إلى أهمية الماء باعتباره المشروب الأساسي للطفل خلال اليوم الدراسي، مع تقليل الاعتماد على المشروبات المحلاة والعصائر التي تحتوي على كميات مرتفعة من السكريات، خاصة إذا أصبحت عادة يومية.

وفيما يتعلق بالحلويات والوجبات السريعة، يؤكد أن المنع الكامل ليس هو الحل الأفضل في معظم الحالات، وإنما المطلوب هو تعليم الطفل مفهوم الاعتدال، بحيث تكون الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون أو الملح موجودة بصورة محدودة، بينما تشكل الأطعمة المغذية الجزء الأكبر من النظام الغذائي.

ويقول إن صندوق الطعام المدرسي يمكن أن يحتوي على اختيارات بسيطة ومتنوعة، مثل الفاكهة الطازجة، والخضراوات، والزبادي، والسندويتشات المحضرة بمكونات غذائية جيدة، أو المكسرات المناسبة لعمر الطفل إذا لم تكن لديه حساسية منها، بدلًا من الاعتماد اليومي على الحلويات والمقرمشات والمشروبات السكرية.

ويؤكد الدكتور مصطفى البحيري أن النشاط البدني لا يقل أهمية عن النظام الغذائي، لأن الطفل الذي يقضي معظم يومه جالسًا أمام الشاشات أو على المكتب يحتاج إلى فترات منتظمة من الحركة، بما يتناسب مع عمره وحالته الصحية.

ويوضح أن الأطفال في سن المدرسة والمراهقين يحتاجون إلى نشاط بدني يومي منتظم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الرياضة المنظمة أو اللعب أو المشي أو أي نشاط حركي يستمتع به الطفل، مشيرًا إلى أن اختيار نشاط يحبه الطفل يزيد فرص استمراره فيه بدلًا من إجباره على ممارسة رياضة لا يفضلها.

ولا تقتصر فوائد الحركة على الحفاظ على الوزن، بحسب الدكتور مصطفى البحيري، إذ يمكن أن تسهم في دعم صحة العضلات والعظام والقلب، كما أن النشاط البدني المنتظم يرتبط بتحسين اللياقة العامة والقدرة على التركيز، وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على نمط حياة الطفل.

ويحذر استشاري التغذية من أن التركيز على وزن الطفل وحده قد يؤدي إلى نتائج عكسية، موضحًا أن الهدف الأساسي يجب أن يكون بناء عادات صحية، وليس وضع الطفل في دائرة مستمرة من الحميات أو المقارنات مع أقرانه.

ويشدد على ضرورة أن يكون الأهل قدوة لأطفالهم؛ فمن الصعب مطالبة الطفل بتناول الخضراوات وشرب الماء وممارسة الرياضة بينما يرى أفراد الأسرة يتبعون نمطًا مختلفًا تمامًا. لذلك فإن مشاركة الأسرة في الوجبات الصحية والنشاط البدني تجعل التغيير أكثر سهولة وطبيعية بالنسبة إلى الطفل.

كما ينصح بعدم استخدام الطعام كمكافأة أو وسيلة لمعاقبة الطفل، لأن ذلك قد يؤثر في علاقته بالطعام مستقبلًا، مؤكدًا أن التربية الغذائية الصحيحة تقوم على تعليم الطفل الاستماع إلى إشارات الجوع والشبع، وفهم أهمية التنوع والاعتدال، بدلًا من ربط الطعام بالمكافأة أو الحرمان.

ويختتم الدكتور مصطفى البحيري حديثه بالتأكيد على أن بناء نمط حياة صحي للأطفال لا يحتاج إلى تغييرات مفاجئة أو قواعد معقدة، بل يمكن أن يبدأ بخطوات صغيرة، مثل تنظيم مواعيد النوم، إعداد وجبة مدرسية متوازنة، زيادة الحركة اليومية، تقليل وقت الشاشات، وتشجيع الطفل على شرب الماء.

ويشير إلى أن استمرار الأسرة في تطبيق هذه العادات بصورة هادئة وواقعية هو العامل الأهم، لأن الهدف في النهاية ليس اتباع نظام مؤقت مع بداية الدراسة، وإنما مساعدة الطفل على اكتساب سلوكيات صحية تصبح جزءًا طبيعيًا من حياته وتستمر معه خلال سنوات الطفولة والمراهقة وما بعدها.

أضف تعليق