تنتشر من وقت لآخر تحذيرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أن وضع الخبز في الفريزر يجعله ضارًا أو يحوله إلى مادة مسببة للسرطان، بينما تتحدث منشورات أخرى عن تكوّن «النشا المقاوم» في الخبز المجمد أو الجاف، وما إذا كان ذلك مفيدًا للجسم أم لا. كما تثار تساؤلات حول إعادة تسخين الخبز وتحميره، والطريقة الصحيحة لحفظه في الأكياس البلاستيكية.
فهل تجميد الخبز يمثل خطرًا على الصحة؟ وهل الخبز البارد أو الجاف يحتوي بالفعل على نشا مقاوم؟ ومتى يمكن أن يصبح تحمير الخبز مشكلة صحية؟ يوضح الدكتور محمد عبد الله، أخصائي التغذية العلاجية، حقيقة هذه التساؤلات.
التجميد آمن
يوضح الدكتور محمد عبد الله أن الخبز بعد تخميره وعجنه وخَبزه يكون طريًا؛ لأنه لا يزال يحتوي على قدر من الماء. ويمكن حفظه في الفريزر لفترات مناسبة، إذ تؤدي درجات الحرارة المنخفضة إلى إيقاف نمو معظم الكائنات الدقيقة وإبطاء كثير من التفاعلات الكيميائية التي تؤثر في جودة الطعام.
وبالتالي، فإن تجميد الخبز في حد ذاته لا يجعله سامًا ولا يحوله إلى مادة مسببة للسرطان، كما تتداول بعض مقاطع الفيديو والمنشورات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويظل تجميد الخبز إحدى الطرق الشائعة لحفظه، خاصة عندما يتم وضعه في عبوة مناسبة وحفظه بطريقة صحيحة، مع تجنب تكرار عمليات الذوبان وإعادة التجميد قدر الإمكان للحفاظ على الجودة والقوام.
الخبز الجاف
وهناك طريقة أخرى لحفظ الخبز، وهي تقليل محتواه من الماء من خلال تحميصه أو تجفيفه، إذ يؤدي انخفاض كمية الماء المتاحة لنمو الكائنات الدقيقة، أو ما يعرف بـ«النشاط المائي» (Water activity)، إلى إبطاء فساد الخبز.
ولهذا كان الخبز الجاف أو المحمص من الطرق التقليدية لحفظ الخبز خارج الثلاجة لفترة أطول، ما دام محفوظًا في ظروف مناسبة بعيدًا عن الرطوبة والتلوث.
النشا المقاوم
ويشير الدكتور محمد عبد الله إلى أن الخبز بعد خَبزه يحتوي على النشا في صورة يسهل هضمها نسبيًا، لكن عندما يبرد الخبز، سواء بعد تركه في درجة حرارة الغرفة أو بعد تبريده وحفظه، تحدث للنشا عملية تعرف علميًا باسم إعادة التبلور أو الارتجاع النشوي (Retrogradation).
وخلال هذه العملية يتحول جزء من النشا إلى صورة أكثر مقاومة للهضم تعرف باسم النشا المقاوم (Resistant starch).
والنشا المقاوم لا يُهضم في الأمعاء الدقيقة بالطريقة نفسها التي يُهضم بها النشا سريع الهضم، ويمكن أن يصل جزء منه إلى القولون، حيث تستفيد منه بعض بكتيريا الأمعاء النافعة.
وقد يسهم وجود النشا المقاوم في إبطاء هضم بعض الكربوهيدرات وتقليل الارتفاع السريع في مستوى سكر الدم مقارنة بالنشا المتاح سريعًا للهضم، لكن مقدار هذا التأثير يختلف حسب نوع الخبز وطريقة تصنيعه وتبريده وتسخينه.
التحمير المعتدل
أما تسخين الخبز أو تحميصه، فلا يمثل مشكلة في حد ذاته، بشرط ألا يصل إلى مرحلة الاحتراق الشديد.
ويحذر الدكتور محمد عبد الله من الإفراط في تحمير الأطعمة النشوية؛ لأن التعرض لدرجات حرارة مرتفعة أثناء الطهي قد يؤدي إلى تكوّن مركب الأكريلاميد (Acrylamide)، خاصة عندما تتحول الأسطح النشوية إلى اللون البني الداكن.
ويُصنف الأكريلاميد من قبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) ضمن المواد المحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان (Group 2A)، بناءً على الأدلة المتاحة، ولذلك فإن القاعدة الأفضل هي تجنب حرق الخبز والأطعمة النشوية، وليس الامتناع عن تناولها لمجرد تحميصها.
وبمعنى آخر، تسخين الخبز حتى يصبح دافئًا أو يتحول إلى لون ذهبي فاتح يختلف عن حرقه وتحويل سطحه إلى اللون البني الداكن أو الأسود.
الأكياس البلاستيكية
ومن النقاط المهمة أيضًا طريقة حفظ الخبز، خاصة عندما يكون ساخنًا.
فقد يؤدي وضع الخبز الساخن مباشرة داخل كيس بلاستيكي إلى تجمع بخار الماء داخله، كما أن الحرارة المرتفعة والرطوبة قد تزيدان من احتمالية انتقال بعض المركبات من مواد التغليف إلى الطعام، وهي ظاهرة تعرف علميًا باسم هجرة المركبات (Migration)، ويعتمد حدوثها ومقدارها على نوع البلاستيك ودرجة الحرارة ومدة التلامس وطبيعة الغذاء.
لذلك، فمن الأفضل ترك الخبز يبرد أولًا قبل وضعه في أكياس التخزين أو إدخاله إلى الفريزر، مع استخدام مواد تغليف مخصصة وآمنة للاستخدام مع الأغذية.
طريقة قديمة
ولسنوات طويلة، كان الناس يحتفظون بالخبز الساخن داخل قطعة من القماش أو باستخدام الورق، وهي طرق تسمح بخروج جزء من البخار والرطوبة بدلًا من حبسها داخل عبوة مغلقة بإحكام.
كما تساعد هذه الطريقة على ترك الخبز يبرد بصورة طبيعية وتقليل تكاثف الرطوبة على سطحه، وهو ما قد يحسن طريقة حفظه ويقلل من الظروف التي تساعد على تلفه.
الأفضل غذائيًا
ويؤكد أخصائي التغذية العلاجية أن القول بأن الخبز المجمد أو الجاف أصبح «صحيًا» بشكل مطلق ليس دقيقًا؛ فالفائدة لا تعتمد على التجميد وحده، وإنما على نوع الخبز ومكوناته والكمية التي يتم تناولها ضمن النظام الغذائي.
فالخبز المصنوع من الحبوب الكاملة يحتوي عادةً على ألياف غذائية وعناصر غذائية أكثر من الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض المكرر، ولذلك يكون خيارًا أفضل ضمن النظام الغذائي المتوازن.
أما الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق المكرر، فليس صحيحًا وصفه بأنه «بلا أي قيمة غذائية» على الإطلاق، لكنه يحتوي عادةً على كمية أقل من الألياف وبعض العناصر الغذائية مقارنة بالحبوب الكاملة، بحسب درجة التكرير والتدعيم.
الاعتدال مهم
ويخلص الدكتور محمد عبد الله إلى أن الخبز المجمد أو الجاف لا يصبح مادة مسرطنة لمجرد تجميده أو تجفيفه، كما أن تكوّن قدر من النشا المقاوم بعد التبريد يمكن أن يكون له بعض الآثار المفيدة على الهضم واستجابة سكر الدم.
لكن ذلك لا يعني الإفراط في تناول الخبز المجمد أو الجاف باعتباره أكثر صحة بصورة مطلقة؛ فالأهم هو اختيار نوع جيد من الخبز، ويفضل أن يكون غنيًا بالحبوب الكاملة والألياف، مع تناوله بكميات مناسبة ضمن نظام غذائي متوازن.
والأهم من كل ذلك: لا تضع الخبز وهو ساخن جدًا داخل كيس بلاستيكي مغلق، واتركه يبرد أولًا، وتجنب حرقه أثناء التحميص أو التسخين.
وبذلك يمكن الاستفادة من التجميد أو التجفيف كوسيلتين لحفظ الخبز، دون الوقوع في المبالغات أو المخاوف غير المستندة إلى دليل علمي.