مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. قسم ديناميكية الأرض يرصد حركة القشرة ويكشف مخاطر الهبوط

مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. قسم ديناميكية الأرض يرصد حركة القشرة ويكشف مخاطر الهبوطالدكتور علي محمد رضوان

أكد الدكتور علي محمد رضوان ، رئيس قسم ديناميكية الأرض ب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن القسم يضم معملين رئيسيين، هما معمل تحركات القشرة الأرضية ومعمل التثاقلية الأرضية، ويعتمد في عمله على مجموعة من التقنيات الحديثة التي تتيح رصد حركة سطح الأرض، ودراسة التراكيب الجيولوجية تحت السطحية، ومتابعة التغيرات التي قد ترتبط بالنشاط الزلزالي أو الهبوط الأرضي وارتفاع مناسيب البحار.

وأوضح الدكتور علي رضوان، في حوار خاص لمجلة أكتوبر تنشره بوابة دار المعارف ، أن معمل تحركات القشرة الأرضية يمتلك شبكة جيوديسية دائمة الرصد باستخدام الأقمار الصناعية، تضم 34 محطة موزعة على مستوى الجمهورية، جرى اختيار مواقعها في مناطق نشطة تكتونيًا.

وأشار إلى أن المحطات تعمل على مدار اليوم في إرسال البيانات إلى مركز بيانات مخصص داخل القسم، حيث تخضع للمعالجة باستخدام برامج متخصصة لاستخراج إحداثيات دقيقة لمواقع المحطات.

وأضاف أن البيانات المتلقاة لا تقتصر على تحديد الإحداثيات، وإنما يمكن استخدامها في دراسة الطاقة الكامنة بالمناطق التي توجد بها المحطات، بما يساعد في تقييم طبيعة النشاط والحركة الأرضية وربطها بالدراسات الزلزالية.

الماسح الليزري لتوثيق المباني ورصد التشوهات

وأوضح رضوان أن معمل تحركات القشرة الأرضية يعتمد كذلك على وحدة الماسح الليزري «ليزر سكانر»، التي تضم ثلاث وحدات، بينها وحدة متحركة ووحدتان ثابتتان، وتستخدم في توثيق المباني والمنشآت بصورة رقمية دقيقة، بما يسمح بإنشاء نموذج للمبنى قبل تعرضه لأي تغيرات أو أضرار.

وأشار إلى أن هذه التقنية تكتسب أهمية خاصة في مجال الآثار، إذ يمكن استخدامها في توثيق المباني الأثرية والتاريخية الموجودة في مصر، إلى جانب متابعة التشوهات التي قد تطرأ عليها.

وأضاف أن الأجهزة تتيح قياس مقدار التشوه ومراقبته عبر فترات زمنية مختلفة، بما يساعد في متابعة تطور المشكلة والتعامل معها قبل تفاقمها.

ولفت إلى أن استخدام الماسح الليزري لا يقتصر على المباني، وإنما يمكن الاستفادة منه في دراسة الانزلاقات والكتل الصخرية بالمناطق الجبلية.

واستشهد رئيس قسم ديناميكية الأرض بأعمال أُجريت في منطقة دير الحديد شرق بني سويف، حيث ساهمت الدراسات الجيوفيزيائية في حساب حجم الكتل الصخرية ومدى ثباتها وتحديد المناطق الخطرة.

وأوضح أنه بناءً على نتائج الدراسة، تم إعداد تقرير وتقديم توصيات لمحافظة بني سويف بالتعاون مع القوات المسلحة، وتدخلت الدولة بإخلاء بعض القرى الموجودة في المناطق التي جرى تحديد خطورتها.

الإنسار وGPS لرصد حركة الصدوع

وأشار رضوان إلى اعتماد القسم كذلك على تقنية الإنسار (InSAR)، التي تستند إلى بيانات الأقمار الصناعية وتتميز بقدرتها على تغطية مساحات جغرافية واسعة، بما يتيح دراسة مناطق الصدوع وحركتها وتحديد بعض خصائصها.

وأوضح أن الاستفادة من هذه التقنية تتم بالتكامل مع بيانات محطات GPS، مشيرًا إلى أن هذا التكامل ظهر في دراسة الزلزال الذي وقع في السويس يوم 3 أغسطس، حيث جرى استخدام بيانات محطة السويس قبل الزلزال وبعده، باعتبارها قريبة من بؤرة الحدث.

وأضاف أن الدراسة أظهرت، بصورة مبدئية، إمكانية تحديد سطح الصدع وعمقه وامتداده، حيث قُدر العمق بنحو 19 كيلومترًا، كما تم تحديد مقدار التشوه على جانبي الصدع بنحو 5 سنتيمترات في أحد الجانبين و6 سنتيمترات في الجانب الآخر.

ولفت إلى أن استخدام محطة الـGPS وتقنية الإنسار معًا أتاح تحديد الحركة التي حدثت في المنطقة، إلى جانب دراسة الصدع وعمقه وطوله التقريبي وقيمة التشوه الناتج عنه.

«الجرافيتي» لدراسة التراكيب والمياه الجوفية

وأوضح رئيس قسم ديناميكية الأرض أن المعمل الثاني بالقسم هو معمل التثاقلية الأرضية «الجرافيتي»، ويمثل أحد المكونات الأساسية للدراسات الجيوفيزيائية، إلى جانب المغناطيسية والكهربية الأرضية.

وأشار إلى أن قياسات التثاقلية تستخدم في عدد من المجالات، من بينها الكشف عن الكهوف والآثار والمياه، ودراسة التراكيب تحت السطحية.

وأضاف أن القسم ينفذ مشروعات لدراسة المياه الجوفية في مناطق مختلفة، من بينها مشروع في الصحراء الغربية لدراسة المياه الجوفية بالتعاون مع جهة أمريكية، إلى جانب مشروع مشترك مع جامعة ميزوري في الولايات المتحدة لدراسة التراكيب تحت السطحية، فضلًا عن مشروع آخر في الصحراء الشرقية.

وأكد أن دراسات التثاقلية تتيح التعرف على التراكيب الموجودة أسفل سطح الأرض، والاستفادة من هذه البيانات في دراسة الخزانات والمياه الجوفية.

وحدة ميكانيكا التربة والأساسات

وأشار رضوان إلى أن معمل التثاقلية الأرضية يضم كذلك وحدة ميكانيكا التربة والأساسات، التي تلعب دورًا استشاريًا في عدد من المشروعات، خاصة أن تنفيذ كثير من المشروعات يتطلب، قبل البدء فيها، إجراء دراسات جيوتقنية مفصلة.

وأوضح أن هذه الدراسات توفر بيانات عن طبيعة التربة وخصائصها، بما يساعد في تقييم المواقع ودعم الأعمال الهندسية المرتبطة بالمشروعات المختلفة.

رصد الهبوط وتغير مستوى سطح البحر

ومن التطبيقات المهمة التي أشار إليها رضوان استخدام التثاقلية بالتكامل مع الـGPS في دراسة التغيرات المرتبطة بمستوى سطح البحر.

وأوضح أن هناك شبكة جيوديسية على امتداد ساحل البحر المتوسط، تضم أجهزة GPS ومحطات لقياس المد والجزر (Tide Gauges)، مشيرًا إلى أن بيانات الـGPS تساعد في حساب التشوهات، بما فيها الهبوط، بينما توفر محطات المد والجزر بيانات عن التغير في مستوى سطح البحر.

وأضاف أن الجمع بين معدلات الهبوط وتغير منسوب البحر يتيح إعداد سيناريوهات مستقبلية بشأن المناطق الساحلية، وهو ما يرتبط بالدراسات الخاصة بدلتا النيل.

دلتا النيل.. تفاوت في معدلات الهبوط

وقال رضوان إن الدراسات التي أُجريت على دلتا النيل منذ عام 2013 أظهرت أن المنطقة ليست متجانسة من حيث معدلات الهبوط، إذ أمكن تقسيمها إلى قطاعات تختلف فيما بينها.

وأوضح أن الجزء الشرقي، الذي يضم مناطق مثل بورسعيد ودمياط ورشيد، يسجل معدلات هبوط تصل إلى نحو سنتيمتر سنويًا، بينما توجد معدلات هبوط أيضًا في المنطقة الغربية بالقرب من الإسكندرية، في حين تبدو المنطقة الوسطى أكثر استقرارًا.

وأشار إلى أنه كان الباحث الرئيسي في المشروع عام 2013، وتولى استكمال العمل بعد سفر الدكتور خالد زهران، حيث جرى التوصل إلى قيم محددة لمعدلات الهبوط على امتداد ساحل البحر المتوسط، وخاصة في منطقة دلتا النيل.

وأكد أن استمرار معدلات الهبوط لفترات طويلة، تمتد إلى 50 أو 100 عام، يمكن أن يؤدي إلى مشكلة في بعض المناطق إذا لم تتخذ إجراءات لحماية الشواطئ.

رضوان: الدلتا ليست معرضة للغرق حاليًا

وحول ما يثار عن تعرض دلتا النيل للغرق، شدد رئيس قسم ديناميكية الأرض على أن الدلتا ليست معرضة للغرق في الوقت الحالي، وأن وضعها الحالي مطمئن، موضحًا في الوقت نفسه أن وجود معدلات هبوط في بعض القطاعات يستدعي استمرار الدراسات والانتباه إلى التطورات المستقبلية.

وأشار إلى أن المشكلة ليست في الدلتا ككل، وإنما في مناطق محددة تختلف معدلات الهبوط فيها، مؤكدًا أن استمرار هذه المعدلات على مدى عقود طويلة قد يؤدي إلى تأثيرات تحتاج إلى تدخلات لحماية المناطق الساحلية.

وأوضح أن دور الجهة البحثية يتمثل في إجراء الدراسات وإرسال النتائج والتوصيات إلى الجهات التنفيذية المعنية، بينما تتولى تلك الجهات تقييم النتائج واتخاذ الإجراءات المناسبة.

منظومة متكاملة لرصد حركة الأرض

ويعكس عمل قسم ديناميكية الأرض، وفق ما عرضه رئيسه، اعتمادًا متكاملًا على تقنيات GNSS والماسح الليزري والإنسار والتثاقلية الأرضية، بما يخدم دراسة حركة القشرة الأرضية، ورصد التشوهات، وتحديد المخاطر في المناطق الجبلية، ودراسة التراكيب والمياه الجوفية، ومتابعة التغيرات التي يشهدها الساحل المصري.

وتوفر هذه المنظومة مجموعة متنوعة من أدوات الرصد والقياس، بما يتيح للقسم إجراء دراسات تجمع بين البيانات الأرضية والبيانات المستمدة من الأقمار الصناعية، ودعم الدراسات العلمية والتطبيقية المرتبطة بحركة سطح الأرض والتغيرات الجيولوجية والبيئية.

أضف تعليق

قمة العلمين الثلاثية.. مصر تعيد رسم معادلات شرق المتوسط

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان