التوتر المزمن.. هل يمكن أن يؤثر في صحتك أكثر مما تتخيل؟

التوتر المزمن.. هل يمكن أن يؤثر في صحتك أكثر مما تتخيل؟التوتر المزمن

منوعات19-9-2026 | 10:04

ليس كل مرض مزمن سببه النظام الغذائي ، كما أن علاج المشكلات الصحية لا يعتمد دائمًا على حذف السكر أو الخبز أو الدهون من الطعام . فالغذاء غير المتوازن بالفعل أحد عوامل الخطر المهمة، لكنه ليس العامل الوحيد، وهناك جانب آخر قد لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو التوتر المزمن.

يوضح الدكتور محمد عبد الله، أخصائي التغذية العلاجية، أن الصحة نتاج مجموعة متداخلة من العوامل، تشمل التغذية والنشاط البدني والنوم والوزن والعوامل الوراثية، إلى جانب الضغوط النفسية والاجتماعية والعادات اليومية.

استجابة طبيعية

ولتوضيح تأثير التوتر، يمكن تخيل شخص يعود إلى منزله في نهاية يوم شاق، وهو يشعر بالإرهاق وقلة الطاقة، ثم يتلقى فجأة إشعارًا من البنك يفيد بخصم مبلغ كبير من حسابه.

في لحظات، قد يبدأ قلبه في الخفقان بشكل أسرع، ويتغير معدل تنفسه، وقد تتعرق يداه ويشعر بشد في عضلات جسمه، ويبدأ في التفكير سريعًا فيما حدث ومن قام بخصم الأموال.

ورغم عدم وجود خطر جسدي أمامه، فإن المخ تعامل مع الخبر باعتباره تهديدًا محتملًا، ففعّل استجابة التوتر.

في هذه الحالة ينشط الجهاز العصبي السمبثاوي، وتزداد إفرازات هرمونات ومواد كيميائية، من بينها الأدرينالين والكورتيزول، بما يساعد الجسم على الاستعداد للتعامل مع الموقف. وقد يرتفع ضغط الدم ومستوى الجلوكوز في الدم بشكل مؤقت ضمن هذه الاستجابة الطبيعية.

متى يصبح مشكلة؟

ويؤكد الدكتور محمد عبد الله أن استجابة التوتر نفسها ليست مشكلة، فهي آلية طبيعية ومهمة تساعد الإنسان على التعامل مع المواقف التي تتطلب سرعة الاستجابة.

لكن القلق يبدأ عندما يتحول التوتر من موقف مؤقت إلى حالة متكررة أو شبه مستمرة في الحياة اليومية.

فالمشكلات في العمل، والضغوط المالية، والخوف من المستقبل، والمقارنة المستمرة بالآخرين، وكثرة الأخبار والإشعارات، إلى جانب قلة النوم، كلها عوامل قد تجعل الشخص يعيش فترات طويلة تحت ضغط نفسي.

ومع استمرار الضغوط، ارتبط التوتر المزمن بتغيرات في النوم والمزاج والسلوك الغذائي و ضغط الدم وتنظيم سكر الدم ، كما يتداخل مع بعض مسارات الالتهاب ووظائف المناعة.

الكورتيزول ليس عدوًا

ومن المهم عدم التعامل مع الكورتيزول باعتباره «هرمونًا شريرًا»، فهو هرمون ضروري للعديد من وظائف الجسم، وله دور أساسي في الاستجابة للضغط وتنظيم عمليات حيوية مختلفة.

والمشكلة ليست ببساطة في وجود الكورتيزول في الجسم، وإنما في اختلال تنظيم استجابة الجسم للضغوط واستمرارها لفترات طويلة.

ولهذا قد نجد شخصًا يهتم بطعامه، لكنه يعاني في الوقت نفسه من ضغوط شديدة ونوم غير منتظم، ما قد ينعكس على وزنه وشهيته وضغطه وتركيزه ومزاجه.

الصحة منظومة

ويشير الدكتور محمد عبد الله إلى أن الصحة لا تعتمد على عامل واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، من بينها:

التغذية، والنشاط البدني، والنوم، والوزن، والتدخين، والعوامل الوراثية، والضغوط النفسية والاجتماعية، ونمط الحياة بشكل عام.

لذلك فإن التركيز على عنصر واحد وإهمال بقية العوامل قد لا يكون كافيًا لتحسين الصحة.

ابدأ بالحركة

ومن الخطوات العملية للتعامل مع الضغوط زيادة الحركة خلال اليوم، وليس بالضرورة الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية أو ممارسة تمارين شاقة.

فالمشي المنتظم، حتى لفترات قصيرة، أو القيام ببعض الأنشطة والحركة داخل المنزل أو مكان العمل، يمكن أن يكون جزءًا من نمط حياة أكثر نشاطًا.

وإذا أمكن ممارسة المشي في مكان مفتوح أو في مساحة خضراء، فقد يوفر ذلك فرصة إضافية للاسترخاء والاستمتاع بالنشاط.

وتساعد ممارسة النشاط البدني بانتظام في دعم الصحة القلبية والتمثيل الغذائي، كما يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي في المزاج والتعامل مع التوتر.

النوم أساسي

ويشدد الدكتور محمد عبد الله على أن النوم ليس رفاهية، إذ يساعد النوم المنتظم الجسم والدماغ في تنظيم العديد من العمليات العصبية والهرمونية.

وعندما يصبح اضطراب النوم مستمرًا، فقد يتأثر المزاج والتركيز والشهية ومستوى الطاقة، لذلك فإن تحسين عادات النوم يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من الاهتمام بالصحة.

الدعم الاجتماعي

ولا يقل التواصل مع الأشخاص المقربين أهمية، فالجلوس مع الأصدقاء الذين نشعر بالراحة معهم، وقضاء وقت مع الأبناء، وطلب المساعدة عند الحاجة، كلها ممارسات يمكن أن توفر دعمًا نفسيًا واجتماعيًا يساعد الإنسان على التعامل مع الضغوط.

كما أن تخصيص وقت للهوايات والأنشطة التي يستمتع بها الشخص يمكن أن يمنحه مساحة للابتعاد عن مصادر الضغط اليومية.

لا تبدأ بالمكملات

وينبه الدكتور محمد عبد الله إلى ضرورة عدم البحث عن المكملات الغذائية باعتبارها الحل الأول للتوتر، قبل الاهتمام بالأساسيات مثل النوم والحركة والتغذية المتوازنة والدعم الاجتماعي.

وبالنسبة إلى الأشواجاندا، فهناك دراسات بحثت في تأثيرها المحتمل على التوتر وبعض مؤشرات الكورتيزول، لكن ذلك لا يعني أنها مناسبة لكل شخص أو أنها علاج للتوتر.

كما بحثت بعض الدراسات تأثير اللافندر والبابونج في الاسترخاء والقلق، لكن لا ينبغي الاعتماد عليهما وحدهما لعلاج مشكلات نفسية مستمرة.

أما المغنيسيوم، فهو عنصر مهم لوظائف الأعصاب والعضلات، لكن أهمية المغنيسيوم لا تعني أن كل شخص يحتاج إلى تناوله في صورة مكمل غذائي، خاصة إذا كان يحصل على احتياجاته من الغذاء أو لا توجد لديه حاجة طبية للمكمل.

ويحتوي الشاي الأخضر على مركبات من بينها L-theanine، وقد تناولت بعض الدراسات والمراجعات تأثيره المحتمل في التوتر والاسترخاء، لكن تأثيره ليس سحريًا، ولا يُعد الشاي الأخضر علاجًا للضغط النفسي.

اقترب من الله

ويرى الدكتور محمد عبد الله أن الجانب الروحي يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا للطمأنينة والدعم النفسي لدى المؤمن، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

فالعبادة والذكر والقرب من الله يمكن أن تكون جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ضغوط الحياة، إلى جانب الأخذ بالأسباب العملية والاهتمام بالصحة النفسية والجسدية.

لا تهمل التوتر

وفي النهاية، لا يصح القول إن الكورتيزول هو سبب كل الأمراض، أو أن التوتر وحده يفسر جميع المشكلات الصحية، فالأمر أكثر تعقيدًا.

لكن التوتر المزمن عامل مهم يستحق الاهتمام، خاصة عندما يصبح جزءًا دائمًا من نمط الحياة.

لذلك يمكن البدء بخطوات بسيطة: تقليل متابعة الأخبار التي تستنزفك، إغلاق الإشعارات غير الضرورية، تحسين النوم، زيادة الحركة، قضاء وقت مع الأشخاص الذين تحبهم، ممارسة هواية تستمتع بها، والاهتمام بالجانب الروحي.

فالصحة ليست هرمونًا واحدًا، ولا طعامًا واحدًا، وإنما منظومة متكاملة تتداخل فيها العادات اليومية والجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية.

أضف تعليق

مصر والسعودية وتحديات الإقليم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان