من فيتامين C ومركبات الكبريت إلى البكتيريا النافعة.. ماذا يحدث للفت أثناء التخليل؟

من فيتامين C ومركبات الكبريت إلى البكتيريا النافعة.. ماذا يحدث للفت أثناء التخليل؟من فيتامين C ومركبات الكبريت إلى البكتيريا النافعة.. ماذا يحدث للفت أثناء التخليل؟

منوعات27-9-2026 | 14:13

مع حلول فصل الشتاء، يظهر اللفت في الأسواق بكثرة، لكنه في مصر يرتبط في أذهان كثيرين بصورة أساسية بالمخللات، حتى أصبحت عبارة «ماء اللفت شفا» جزءًا من الموروث الشعبي المرتبط بهذه الوجبة.

لكن هل يحتفظ اللفت بقيمته الغذائية بعد التخليل؟ وهل يمكن أن تضيف عملية التخليل فوائد جديدة إليه، أم أن زيادة الملح تجعل تناوله يحتاج إلى قدر من الحذر؟

يقول الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، إن اللفت من الخضروات التي تحتوي على عدد من العناصر الغذائية والمركبات النباتية المهمة، وإن طريقة تحضيره تؤثر في بعض خصائصه الغذائية، بينما يظل ارتفاع محتوى الصوديوم أبرز النقاط التي يجب الانتباه إليها عند تناوله مخللًا.

جذور غنية بالعناصر

والجزء الذي نتناوله من اللفت هو الجذر، ويحتوي اللفت على مجموعة من العناصر الغذائية، من بينها فيتامين C وفيتامين K، إلى جانب معادن مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم والفوسفور، مع وجود الحديد بكميات تختلف بحسب النوع وطريقة التحليل.

كما يحتوي اللفت على مركبات نباتية تعرف باسم الجلوكوسينولات، وهي مركبات كبريتية توجد في عدد من الخضروات الصليبية، وتخضع لدراسات بحثية بسبب نواتج تحللها وخصائصها البيولوجية المحتملة.

ولا يعني وجود هذه المركبات أن تناول اللفت يقي من السرطان أو يعالجه، وإنما تشير الدراسات إلى اهتمام علمي بخصائصها ودورها المحتمل ضمن النظام الغذائي.

ماذا يحدث أثناء التخليل؟

يوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن التخليل بالتخمير الطبيعي لا يعني بالضرورة فقدان اللفت لقيمته الغذائية بالكامل، إذ تعتمد التغيرات التي تحدث أثناء التخليل على طريقة التحضير ومدة التخليل وظروفه.

وفي التخليل اللبني، تقوم بكتيريا حمض اللاكتيك باستهلاك السكريات الموجودة في الخضار وإنتاج حمض اللاكتيك، ما يؤدي إلى انخفاض درجة الحموضة ويساعد على حفظ الطعام.

وتوجد أنواع مختلفة من بكتيريا حمض اللاكتيك، وبعضها يدخل ضمن الكائنات الدقيقة المستخدمة في عمليات تخمير الأغذية.

بكتيريا حمض اللاكتيك

ومن أبرز الفروق بين اللفت الطازج والمخلل بالتخمير الطبيعي أن عملية التخليل يمكن أن تؤدي إلى وجود بكتيريا حية من بكتيريا حمض اللاكتيك إذا لم تتعرض لعملية معالجة حرارية تقتلها.

ولهذا السبب يهتم الباحثون بالأطعمة المخمرة باعتبارها مصدرًا محتملًا لبعض الكائنات الدقيقة المفيدة.

لكن لا يمكن اعتبار كل مخلل «بروبيوتيك» بالضرورة، كما أن تأثير البكتيريا الموجودة في الطعام يعتمد على نوعها وكمّيتها وقدرتها على البقاء حتى وقت تناولها.

وبالتالي، فإن القول إن المخلل «يحسن المزاج» أو «يعالج الإمساك» بصورة مباشرة يحتاج إلى أدلة أكثر تحديدًا، بينما يظل تناول الأطعمة المخمرة جزءًا ممكنًا من نظام غذائي متنوع.

الصوديوم نقطة مهمة

ويشير أخصائي التغذية العلاجية إلى أن أبرز ما يجب الانتباه إليه عند تناول اللفت المخلل هو ارتفاع محتوى الملح والصوديوم نتيجة عملية التخليل.

وهنا تختلف المسألة عن اللفت الطازج؛ فحتى إذا احتفظ المخلل بجزء كبير من مكوناته الغذائية، فإن كمية الصوديوم التي يحصل عليها الشخص قد ترتفع بصورة واضحة.

ولذلك يجب أن يتناول الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقليل الصوديوم، وخاصة المصابين بارتفاع ضغط الدم أو بعض أمراض القلب والكلى، المخللات بحذر ووفق احتياجاتهم الغذائية وتوجيهات الطبيب أو أخصائي التغذية.

هل نوع الملح يفرق؟

ويؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن استخدام الملح المناسب وبالتركيز الصحيح من أهم عوامل نجاح التخليل بالتخمير الطبيعي.

لكن من المهم توضيح أن استخدام ملح البحر أو الملح الصخري أو غيرهما لا يجعل المخلل منخفض الصوديوم؛ فجميع أنواع ملح الطعام تقريبًا توفر الصوديوم، وبالتالي فإن كمية الملح المستخدمة هي العامل الأهم فيما يتعلق بمحتوى الصوديوم النهائي.

كما أن الملح يؤدي دورًا مهمًا في توفير بيئة مناسبة لبكتيريا حمض اللاكتيك والحد من نمو عدد من الكائنات الدقيقة غير المرغوبة.

هل نضيف الخل؟

وتختلف طريقة التخليل بالخل عن التخليل بالتخمير الطبيعي.

فعند استخدام الخل، تعتمد عملية الحفظ بصورة أساسية على إضافة حمض جاهز لرفع الحموضة، بينما يعتمد التخليل بالتخمير الطبيعي على نشاط بكتيريا حمض اللاكتيك وإنتاجها لحمض اللاكتيك.

لذلك فإن إضافة الخل ليست مجرد مسألة «ممنوعة» أو «مسموح بها»، وإنما تعتمد على الطريقة التي نريد اتباعها في تحضير المخلل.

أما إذا كان الهدف هو الحصول على مخلل مخمر طبيعيًا يحتوي على بكتيريا حية، فيجب اتباع طريقة تخمير مناسبة وآمنة وعدم افتراض أن أي برطمان من الخضروات المخمرة سيحتوي بالضرورة على بكتيريا نافعة بالكمية المطلوبة.

النظافة أولًا

ومن أهم النقاط في تحضير المخللات المنزلية الاهتمام بالنظافة.

يجب تنظيف الأوعية والأدوات المستخدمة جيدًا، واستخدام خضروات سليمة، والتأكد من غمر الخضروات في محلول التخليل بالطريقة المناسبة، لأن سوء التحضير أو التلوث قد يسمح بنمو كائنات دقيقة غير مرغوبة.

وفي حالة ظهور عفن واضح أو رائحة غير طبيعية أو تغيرات غير معتادة في الطعام، لا ينبغي الاكتفاء بإزالة الجزء الظاهر وتناول باقي المخلل، وإنما الأفضل التخلص منه بالكامل حفاظًا على السلامة الغذائية.

ويُفضل استخدام أوعية مناسبة للتخليل، ومن الخيارات الشائعة البرطمانات الزجاجية النظيفة والمخصصة لحفظ الأغذية.

ماذا عن السكر؟

وفي بعض طرق التخليل بالتخمير، يمكن أن تُستخدم كمية صغيرة من السكر باعتبارها مصدرًا إضافيًا للسكريات التي تستفيد منها البكتيريا أثناء عملية التخمير.

لكن وجود السكر ليس شرطًا أساسيًا لكل وصفات تخليل اللفت، كما أن القول إن البكتيريا «تستهلك ملعقة السكر بالكامل» ليس قاعدة ثابتة؛ فذلك يعتمد على كمية السكر وطريقة التخمير والمدة والظروف المستخدمة.

لذلك لا ينبغي إضافة السكر بكميات كبيرة باعتباره وسيلة مضمونة لتسريع التخليل.

هل ماء اللفت مفيد؟

أما ماء اللفت المخلل، فقد يحتوي على بعض المركبات الذائبة في محلول التخليل، كما قد يحتوي على بكتيريا حمض اللاكتيك في حال كان المخلل مخمرًا طبيعيًا ولم تتم معالجته حراريًا.

لكن في المقابل، يحتوي ماء المخلل عادةً على كمية مرتفعة من الصوديوم، ولذلك لا يصح اعتباره مشروبًا صحيًا يمكن تناوله بكميات كبيرة.

أما العبارة الشعبية «ماء اللفت شفا»، فهي تعكس مكانة هذا المشروب في الموروث الشعبي، لكنها لا تعني أنه علاج للالتهابات أو العدوى البكتيرية.

الفائدة في الاعتدال

وفي النهاية، يمكن أن يكون اللفت المخلل جزءًا من النظام الغذائي، لكنه يظل من الأطعمة التي ينبغي تناولها باعتدال بسبب محتواه من الصوديوم.

أما اللفت نفسه فيتميز بمحتواه من فيتامين C وبعض المعادن والمركبات النباتية، ويمكن تناوله بطرق مختلفة، وليس من الضروري قصر استخدامه على التخليل.

وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كان اللفت المخلل «مفيدًا أم ضارًا» بصورة مطلقة، وإنما كيف تم تخليله، وكمية الملح المستخدمة، وكمية المخلل التي نتناولها، والحالة الصحية للشخص الذي يتناوله.

فاللفت يمكن أن يحتفظ بجزء مهم من قيمته الغذائية بعد التخليل، وقد تضيف عملية التخمير خصائص أخرى، لكن ارتفاع الصوديوم يظل السبب الأهم في ضرورة الاعتدال.

أضف تعليق

حكاية الحكومة وتوجيهات الرئيس

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان