المنظمة العجوز.. ما بعد "جوتيريش"

المنظمة العجوز.. ما بعد "جوتيريش"جمال رائف

الرأى27-9-2026 | 16:10

ثمانية عقود أرهقت الأمم المتحدة حتى باتت عجوزًا غير قادرة على مجاراة الصراعات والتحديات الدولية الراهنة، فتلك المنظمة الأممية التى خرجت إلى النور من بين ثنايا ظلام الحرب العالمية الثانية الدامس وكانت نتاجًا طبيعيًا لإعادة ترتيب المشهد العالمى حينها، تعانى هى ذاتها مما كانت تعانى منه عصبة الأمم قبل مواتها، فهل تستطيع الأمم المتحدة الصمود وإعادة الهيكلة وتحديث الأدوات بما يمكنها من الالتحاق بركب التغيير الدولى أم أنها ستنجرف إلى ظلمات أخفيت فى سراديبها من قبل عصبة الأمم؟!
طالما تحدث القادة والزعماء الدوليون خلال العقد الماضى تحديدًا حول أهمية تطوير عمل المنظمة الأممية خاصة ما يتعلق بمجلس الأمن الذى يفتقر لعدالة التمثيل القارى وتغيب عنه القارة الإفريقية بما يجعلها تحت سطوة "فيتو" الكبار طوال الوقت وهذا كنموذج فقط، ولعل خطاب الوداع للأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش " أمام الجمعية العامة فى دورتها الـ81 قبل أن يغادر منصبه فى ديسمبر القادم قد تناول بشكل واضح مواجهة فكرية حول مستقبل الإصلاح داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، خاصة أن جوتيريش لم يتحدث فقط عن التغيرات على صعيد موازين الهيمنة للدول والتى ستؤدى لعالم متعدد الأقطاب يجب أن يستوعبه نظام عمل الأمم المتحدة ، بل تحدث أيضًا عن مؤثرات جديدة داخل النظام الدولى لا تمثل العنصر المتعارف عليه بالمجتمع الدولى وهو المتمثل فى كيان الدولة، وهنا كان حديثه عن الشركات العملاقة ورجال الأعمال، وهى عناصر بالفعل بات تأثيرها يظهر على صعيد صناعة القرار الدولى فى حين أنها خارج سيطرة منظومة العمل الإدارى الدولى، وهى معضلة كبرى طرحها جوتيريش قبل أن يترجل عن منصبه، وهى بالفعل مؤثر محورى فى طبيعة عمل ووجود الأمم المتحدة مستقبلاً، ولعل نموذج تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا مع منظومة العمل الأممى وهى التى تمتلك غالبية تلك الشركات والأفراد التى أشار لها الأمين العام للأمم المتحدة ما بين السطور لهو خير شاهد ودليل، فقد انسحبت بالفعل إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من كيانات واتفاقيات دولية كثيرة، منها 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة، ولعل هذا مؤشر خطير يؤكد أن النظام الدولى الجديد قد يستند لرؤية خارج الإطار الطبيعى المتمثل فى الدولة، وهو ما ينذر بكارثة سياسية تهدد مستقبل عمل الأمم المتحدة أو حتى أى كيان جديد يولد عقب التغيير المستقبلى فى شكل النظام الدولى، فقد دق جوتيريش جرس إنذار قبل رحيله، فهل تستوعب إدارات الدول الكبرى تحديدًا أن دخول قراراتها الدولية تحت سطوة الشركات العملاقة ورجال الأعمال سيعرض ليس فقط النظام السياسى الدولى للخطر بل سيعرض مستقبل دولهم نفسها لمصير مجهول؟!
خلاصة القول، الأمم المتحدة تواجه ما هو أصعب من عدم قدرتها على ملاحقة الصراعات الدولية، بل الأزمة الفعلية والتى ستظهر مستقبلاً هى عدم قدرة العمل الأممى على التعامل مع محركات الصراع المستحدثة وغير النمطية، حيث تنتقل قدرة تحريك الصراعات من الدول إلى الأفراد والشركات الدولية العملاقة.

أضف تعليق

حكاية الحكومة وتوجيهات الرئيس

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان