نتفق جميعًا أننا فى حاجة إلى راحة نفسية، ننعم فيها بالسكينة والهدوء ، تستريح فيها عقولنا من متلازمة الهلع الفكرى ، الذى يلازمنا فى منامنا، ويشعرنا أننا أمام ضغوط لا نقدر عليها، نعم خلقنا الله فى كبد، ولكن حذارى أن نخلد إلى الدنيا، أو تجعلنا ندور فى فلكها، والحل يسير، بشرط أن نمتلك عزيمة مواجهة النفس، ونقول لها لا تغرقى عقولنا فى إشباعك، أو تجعليها منقادة وراء نرجسيتك.
والمطلوب على وجه السرعة أن نسبح خارج أجسادنا المنهكة بمشاكل الحياة المعقدة، ولتكن رحلة قصيرة، ونعاود إليها من وقت لآخر كلما أثقلتنا الهموم، فالروح تنشد الراحة، حتى تستعيد قوتها لمواجهة ظلم النفس وظلم الآخرين، ولا تعنى أنها محاولة للهروب من وظيفة الإعمار، وإنما استراحة محارب، لكى يستعيد بعدها نشاطه برؤية أفضل، تحمل بين طياتها الأمل، ولابد من المقاومة، ولا نستسلم ونترك أرواحنا حبيسة لمتطلبات الجسد طوال الوقت، أو تخرج مضطرة بعد عمر طويل، وما أروع أن تسبح أرواحنا فى رحاب الله، وما هى إلا دقائق وتصير أرواحنا هادئة تنطلق فى خفة، وتقيم الحياة بصورة واقعية بعيدة عن الخيال، وحين عودتها إلى الجسد المنهك ستطعمه الصبر والتفاؤل.
وكلما أعتادت أرواحنا السباحة فى معجزات الخالق اشتدت قوانا، وتصاغرت أمامنا الملذات، وهى تسبح فى السماوات وبين النجوم، ثم نهبط بها إلى الأرض، حتى نمعن النظر فى أدق مخلوقات العظيم، وهى الذرة، ونتأمل كيفية دوران مكوناتها، فإنها أشبه بمجرة كونية، وفى دراسة حديثة وصفت الباحثة سوزان شيفيلين الإنسان بالساحر غير المعقول، وكان عنوان الدراسة المخلوق الكونى، وتقول مازال العلماء حائرون أمام هذا الكمبيوتر السوبر القابع داخل الجمجمة البشرية، وجسد الإنسان ليس سوى عباءة تقطن بداخلها روح تتوق إلى التحليق نحو سماء الحق، ويشقيها الهبوط إلى الوحل.
أرواحنا تنشط فى النور، وتتجاوز بنورها الواقع المادى، وبهذا النور رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضى عنه سارية الجبل، وقال عالم الفيزياء أديسون إن أعظم الاكتشافات ستكون بجانب الخطوط الروحية، وصدق رسول الله: (اتقوا فراسة المؤمن أنه يرى بنور الله)، ولا يعنى أنه صاحب معجزات، أو يعلم الغيب، ولكن بعد نزهة الروح فى آيات الكون تعود إلى الجسد لتهدأ من روعه وجشعه.
ويقول ابن القيم رحمه الله: حين تسمو الروح تصير النفس مطمئنة وأعظم قدرا عند الله، يصدق فيها قوله تعالى: "ارجعى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فىعِبَادِي، وَادْخُلِى جَنَّتِي"، ويستكمل ابن القيم كلامه قائلا أن تكون النفس عاكفةً بهمتها على ربها، راهبةً منه، راغبةً فيما لديه، ونبتهل إليه أن يُعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وألَّا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه، وكان أمره فرطًا.