اعتادت بعض الأسر إزالة الطبقة التي تتكون على سطح اللبن بعد غليه، بينما يفضل آخرون الاحتفاظ بها باعتبارها قشطة طبيعية تضيف مذاقًا مميزًا إلى الطعام. لكن ما حقيقة القيمة الغذائية لهذه الطبقة؟ وهل التخلص منها يحرم الجسم من عناصر غذائية مهمة، أم أن تناولها بكميات كبيرة قد يزيد من استهلاك الدهون والسعرات الحرارية؟
يوضح الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، أن وش اللبن يحتوي على مكونات غذائية مهمة، أبرزها الدهون وبعض البروتينات والفيتامينات الذائبة في الدهون، إلا أن قيمته الغذائية تختلف بحسب نوع اللبن ونسبة الدسم وطريقة الغلي والتبريد. ويشير إلى أن الاستفادة منه تعتمد على الكمية المتناولة واحتياجات الجسم، وليس على اعتباره جزءًا يجب تناوله أو تجنبه بصورة مطلقة.
قشطة طبيعية
يشرح الدكتور محمد خلف أن الطبقة التي تتكون على سطح اللبن عند غليه تُعرف شعبيًا باسم « وش اللبن »، وقد تشبه القشطة الطبيعية، لكنها ليست مطابقة تمامًا للقشطة التجارية؛ إذ يتوقف تركيبها على طبيعة اللبن وطريقة تسخينه وتبريده.
وتتكون هذه الطبقة نتيجة تفاعل مكونات اللبن مع الحرارة، إذ تتجمع الدهون على السطح، وقد تتداخل معها بروتينات اللبن، خاصة بروتينات مصل اللبن التي تتغير بفعل التسخين، إلى جانب مكونات أخرى تختلف نسبتها بحسب ظروف التحضير.
ولهذا، فإن وش اللبن ليس دهونًا خالصة، لكنه قد يحتوي على نسبة مرتفعة من الدهون مقارنة باللبن نفسه، إلى جانب كميات متفاوتة من البروتينات والعناصر الغذائية.
فيتامينات مهمة
ويشير خلف إلى أن الدهون الموجودة في وش اللبن تساعد الجسم على الاستفادة من الفيتامينات الذائبة في الدهون، وهي فيتامينات A وD وE وK، التي تؤدي أدوارًا مختلفة في الحفاظ على صحة الجسم.
ففيتامين A مهم لصحة النظر والجلد ووظائف المناعة، بينما يشارك فيتامين D في تنظيم امتصاص الكالسيوم والفوسفور والحفاظ على صحة العظام. ويسهم فيتامين E في حماية الخلايا من الإجهاد التأكسدي، في حين يؤدي فيتامين K دورًا أساسيًا في تخثر الدم وصحة العظام.
ومع ذلك، فإن كميات هذه الفيتامينات في وش اللبن ليست ثابتة، كما أن وجودها لا يعني أن هذه الطبقة هي أغنى أجزاء اللبن بجميع العناصر الغذائية؛ إذ تتفاوت مكونات اللبن بحسب نسبة الدسم وطريقة المعالجة.
دهون وبروتينات
ويضيف أخصائي التغذية العلاجية أن وش اللبن قد يحتوي على بروتينات تسهم في بناء الأنسجة وتجديد الخلايا، إلى جانب الدهون التي تمد الجسم بالطاقة وتساعد على امتصاص بعض الفيتامينات.
كما أن الجمع بين الدهون و البروتينات قد يساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، لكن هذا التأثير يرتبط بكمية الطعام وتركيب الوجبة بالكامل، وليس بتناول وش اللبن وحده.
وتختلف أنواع الأحماض الدهنية الموجودة في دهن اللبن؛ إذ يحتوي على أحماض دهنية مشبعة وأخرى أحادية ومتعددة غير مشبعة، بنسب تتأثر بنوع الحيوان وطبيعة تغذيته وتركيب اللبن نفسه.
أحماض دهنية
ومن الأحماض الدهنية الموجودة في دهن اللبن حمض الأوليك (Oleic acid)، وهو من الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، ويوجد أيضًا في زيت الزيتون.
كما يحتوي دهن اللبن على حمض اللينوليك (Linoleic acid)، وهو من الأحماض الدهنية الأساسية التي يحتاج إليها الجسم، وحمض ألفا لينولينيك (Alpha-linolenic acid)، الذي ينتمي إلى مجموعة أحماض أوميجا 3.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن كميات هذه الأحماض تختلف بحسب نوع اللبن ومصدره، ولا يعني وجودها أن وش اللبن يحتوي على نسب مرتفعة من أوميجا 3؛ إذ تظل كمياته من هذه الأحماض محدودة ومتغيرة.
دهون مترافقة
ويلفت خلف إلى وجود حمض اللينوليك المترافق (CLA) ضمن الأحماض الدهنية الموجودة طبيعيًا في دهون المجترات، ومنها الأبقار والجاموس، ويضم هذا الحمض عدة صور كيميائية، من أشهرها الصورة المعروفة باسم cis-9, trans-11.
وتتأثر كمية هذا الحمض بعوامل مختلفة، منها نوع العلف وطبيعة تغذية الحيوان، لكنه لا يقتصر على وش اللبن أو السمنة البلدي، بل يمكن أن يوجد في منتجات الألبان كاملة الدسم وغيرها من الدهون الحيوانية.
ورغم دراسة بعض التأثيرات الصحية المحتملة لهذا الحمض، فإن وجوده في الغذاء لا يعني أن تناول الدهون اللبنية بكميات كبيرة يحقق فوائد صحية مؤكدة؛ إذ يجب النظر إلى تركيب النظام الغذائي إجمالًا.
صحة الأعصاب
ويُعد الحديث عن الدهون ودورها في الجهاز العصبي من الموضوعات المهمة؛ فالدماغ غني بالدهون التي تدخل في تركيب أغشية الخلايا العصبية، كما تدخل الدهون في تكوين غمد الميالين الذي يحيط بالعديد من الألياف العصبية ويساعد على انتقال الإشارات العصبية بكفاءة.
لكن لا يعني ذلك أن جميع أنواع الدهون تؤدي التأثير نفسه، أو أن تناول وش اللبن تحديدًا يحسن وظائف المخ أو يقوي الأعصاب بصورة مباشرة؛ إذ تعتمد صحة الجهاز العصبي على مجموعة متكاملة من العناصر الغذائية، إلى جانب عوامل صحية أخرى.
هل يفيد القولون؟
أما فيما يتعلق بصحة الجهاز الهضمي، فلا يمكن اعتبار وش اللبن مصدرًا للألياف الغذائية؛ فاللبن ومنتجاته لا تحتوي على كميات تُذكر من الألياف التي تساعد على تنظيم حركة الأمعاء.
وقد يتحمل بعض الأشخاص الدهون اللبنية دون مشكلات، بينما يشعر آخرون بالانزعاج أو الثقل عند تناول الأطعمة مرتفعة الدهون، خاصة إذا كانوا يعانون بعض اضطرابات الجهاز الهضمي أو مشكلات المرارة.
كذلك، قد يسبب اللاكتوز الموجود في منتجات الألبان أعراضًا لدى الأشخاص الذين يعانون عدم تحمله، وإن كانت كمية اللاكتوز في الطبقة الدهنية نفسها قد تختلف عن كميته في اللبن.
كيف نتناوله؟
وينصح خلف بأن يكون التعامل مع وش اللبن وفقًا للاحتياجات الغذائية لكل شخص؛ فمن يفضل مذاقه يمكنه الاحتفاظ بكمية مناسبة منه وإضافتها إلى اللبن أو بعض الأطعمة، مع احتسابها ضمن إجمالي الدهون والسعرات الحرارية اليومية.
ويمكن أيضًا استخدام كمية صغيرة منه لإضفاء مذاق غني على الأرز المعمر وبعض الأطباق المنزلية، لكن ينبغي الانتباه إلى أن إضافة القشطة الطبيعية ترفع محتوى الوجبة من الدهون والسعرات الحرارية.
أما الأشخاص الذين يرغبون في تقليل الدهون المشبعة، خاصة من يعانون ارتفاع الكوليسترول الضار أو بعض أمراض القلب، فمن الأفضل لهم الاعتدال في تناول وش اللبن، واختيار اللبن الأقل دسمًا وفقًا لتوصيات الطبيب أو اختصاصي التغذية.
ويستخدم البعض هذه الطبقة بعد تجميعها في المنزل لصنع الزبدة، ثم تسخين الزبدة وفصل مكوناتها للحصول على السمنة البلدي. لكن هذه العملية لا تجعل الدهون أكثر فائدة تلقائيًا، كما أن السمنة تحتوي على نسبة مرتفعة من الدهون، لذا ينبغي استخدامها باعتدال.