إعلان القاهرة السياسي.. ميثاق جديد للعلاقات العربية الإفريقية

إعلان القاهرة السياسي..  ميثاق جديد للعلاقات العربية الإفريقيةالقمة العربية

كنوز أكتوبر28-6-2022 | 18:00

سيد نصار

فى الإعادة كثير من الاستفادة .. فالتاريخ غالبًا يعيد نفسه .. وعلى هذه الصفحات نعيد نشر موضوعات من أعداد سابقة لـ مجلة أكتوبر قد تتشابه الأحداث مع واقعنا الحالى، وقد تختلف عنه ولكنها تظل جزءًا من ذاكرة الشعب المصرى فى فترة من تاريخ مصر

يعقد فى القاهرة غدًا أول مؤتمر قمة عربى إفريقى يحضره رؤساء وملوك 61 دولة عربية وإفريقية، ويأتى هذا الاجتماع بعد محادثات مطولة شاقة، بدأت منذ الجلسة غير العادية، التى عقدها وزراء منظمة الوحدة الإفريقية فى شهر نوفمبر من عام 1973 وتكررت الاجتماعات وكان آخرها الاجتماع رقم 9 فى لوزاكا فى يناير الماضى، وفيه تحدد الموعد النهائى لمؤتمر القمة العربى الإفريقي، الذى يعقد غدا، كما اتفق فيه على موضوعات البحث وإعلان القاهرة السياسى المنتظر صدوره فى نهاية الاجتماع كميثاق يحكم العلاقات المستقبلية بين العرب والإفريقيين.

لا يشك أحد فى أن التعاون العربى الإفريقى يعد أمرًا حديثا نسبيا وأنه يتعلق بشركاء لا يفكرون كلهم بنفس الطريقة، فهو موضوع يستحق البحث بهدوء وعمق وهذا على الأقل هو الإحساس، الذى يشعر به أى مراقب وهو يتحدث مع طلائع الوفود، التى وصلت إلى القاهرة منذ أيام.

ومن النادر أن يتشابه مؤتمر قمة مع ذلك المؤتمر الذى يعقد غدا، فالعلاقات بين العرب والأفارقة تتميز فى أن ثمانى من الدول العربية الـ 21 الأعضاء فى الجامعة العربية أقل بسكانها المائة مليون ثلثى العالم العربى وهى أعضاء فى نفس الوقت فى منظمة الوحدة الإفريقية بحكم موقعها الجغرافى وهذه الدول الثمانى هى (مصر والسودان والصومال وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا)، هذا فضلًا عن دول عربية فى الطريق إلى الاستقلال مثل جيبوتى، التى سوف تستفتى على تقرير المصير الشهر القادم.

فالعلاقات بهذا الشكل ليست علاقات غريبة كما أنها ليست علاقات مفتعلة فهى ذات جذور جعرافية وتاريخية وحضارية وثقافية مشتركة.

وهذا لا ينفى أن لكل طرف مصالحه المختلفة نوعا ما وأنه وهو يتعامل مع الطرف الآخر يرغب فى تحقيق مصالحه إلى حد أن المراقب يشعر وهو يتحدث مع بعض المصادر الإفريقية أن بعض الوفود الإفريقية جاءت إلى القاهرة وهى تحمل فى بعض حقائبها كشف حساب طويلا وعريضا عن دخول الدول العربية من البترول وما أصابها هى من ارتفاع أسعاره فى الأسواق كدول مستهلكة وعن فائض المال العربى المختزن فى البنوك الدولية.

ولا أحد يشك أو ينكر أن لكل طرف مشاكله وأن من مهمة هذه المؤتمرات المساهمة بشكل أو بآخر فى حل هذه المشاكل وتقديم المساعدة لحلها، وأفضل العلاقات يقوم على المصالح المشتركة وهو مبدأ مشروع ومستقر فى العلاقات الدولية.

ولحسن الحظ أن ظروف الصراع السياسى، الذى مر به كل من العرب والأفارقة وصولا إلى الاستقلال تجعلهم يدركون نوع وهدف ما تردده وتشيعه بعض أجهزة الإعلام الصهيونية من أن العرب لم يقدموا لإفريقيا ما كان يجب عليهم أن يقدموه من دعم ومساعدات، ولحسن الحظ أيضًا أن الإفريقيين أنفسهم يدركون حجم المساعدات، التى قدمها ويقدمها العرب وتكفى هنا الإشارة.

.. ولسنا هنا فى مجال المقارنة، ولكن لا بأس من مقارنة ذلك بما قدمته إسرائيل من مساعدات إلى إفريقيا خلال الفترة، ف إسرائيل كانت تقوم بدور الطرف الثالث، الذى وكل إليه القيام به لحساب أطراف أخرى وإذا كانت قد حرمت من القيام بهذا الدور فى إفريقيا فهى ما زالت تقوم به فى أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية.

ولا يتصور أحد أن الجانب العربى هو المستفيد وحده من قطع علاقات الدول الإفريقية بإسرائيل، بل إن الحقائق تثبت أن الدول الإفريقية هى الأخرى صاحبة مصلحة فى قطع هذه العلاقات مع إسرائيل.

ف إسرائيل ليست عدوا للعرب وحدهم بحكم الصراع العربى الإسرائيلى واحتلال إسرائيل لأراضى ثلاث دول عربية، فضلا عن اغتصاب أرض ووطن شعب فلسطين، وهى قضية تحرر عالمية قبل كل شىء وبعده وتهم الأفارقة كما تهم العرب، بل جميع دول العالم شرقا وغربا، بل إن إسرائيل هى عدو رئيسى للدول الإفريقية نفسها، ويكفى الإشارة هنا إلى نوع العلاقات المريبة، التى تربط بين إسرائيل والنظم العنصرية فى روديسيا وجنوب إفريقيا وهى ليست فقط علاقات على العنصرى فى إفريقيا، وهنا يجب علينا ألا ننسى أن أرضنا إفريقية ما زالت إسرائيل تحتلها.. وهذه الأرض هى سيناء.. التى هى جزء من أرض مصر شقيقة الدول الإفريقية وهى من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية ودول عدم الانحياز، فالعلاقات بين العرب والأفارقة هى علاقات مشتركة بكل المقاييس.. فالمصير واحد والجميع ومع ذلك فإن قضية العلاقات بين الفريقين لا يمكن أن تقنن بهذا الأسلوب المادى القائم على مبدأ «شىء مقابل شىء» ومع ذلك يدرك الفريقان أن الوضع السياسى والاقتصادى هما وجها العملة التى يجب أن يتداولها الفريقان فإذا كان العرب يتمتعون بالتفوق فى المجال الاقتصادى فإن الأفارقة يتميزون بالحجم السياسى حتى إن اقتصر على الكم فى الأصوات داخل المحافل الدولية، فالقرار الاقتصادى العربى تحكمه عوامل سياسية وكذلك القرار السياسى الإفريقى تحكمه عوامل اقتصادية، فالسياسة والاقتصاد هنا متكاملان.

وقد يكون «إعلان القاهرة» المقرر أن يصدر فى نهاية اجتماعات القمة العربى الإفريقى بمثابة ميثاق عمل يحكم العلاقات المستقبلية بين العرب والأفارقة فى المجال السياسى وإنما يشمل أيضا المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية.. فالغرب قادرون على تقديم القروض والمساعدات المالية والفنية وتقديم الخبراء فى الزراعة والصناعة والتعليم، بل فى مجالات التدريب العسكرى، فمازالت الدول الإفريقية تفتقر على أن الأمر لن يقتصر على العلاقات الثنائية بين المجموعتين العربية والإفريقية ولقد أحسنت أمانة المؤتمر إذا دعت عددا من منظمات التحرير الإفريقية مثل زيمبابوى «روديسيا» وغرب إفريقيا وناميبيا وجنوب إفريقيا وجيبوتى وهذه المنظمات التحريرية، التى تنافس من أجل حق تقرير مصيرها سوف تجد الدعم من العرب دون شك.

وأعمال المؤتمر لن تقتصر من الناحية الرسمية على هذه الأمور، بل إن هناك احتمالا لعقد عدة مؤتمرات لدول عربية منفصلة وأخرى إفريقية منفصلة على هامش المؤتمر ولكن بصفة غير رسمية.

فقد يتيح المؤتمر فرصة المباحثات والتشاور بين الملوك والرؤساء العرب حول آخر تطورات أزمة الشرق الأوسط ومؤتمر السلام فى جينيف، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكى وسكرتير عام الأمم المتحدة للمنطقة كما أن هناك قرارا من الجمعية العامة للأمم المتحدة حدد آخر مارس الحالى موعدا لعقد مؤتمر السلام فى جينيف، ولأنه أصبح واضحا أن إمكانية عقده فى مثل هذا التاريخ غير ممكن بسبب تسويف إسرائيل، فإن الاتفاق العربى يصبح مهما حول الخطوة السياسية، التى يجب اتخذاها فى ضوء المتغيرات الجديدة فى القضية.

وقد تحدث بعض المراقبين السياسيين العرب، الذين وصلوا إلى القاهرة عن إمكانية جهد عربى مشترك تتزعمه القاهرة للجميع بين الملك حسين والزعيم الفلسطينى ياسر عرفات.

وسوف يكون ذلك تمهيدا لعقد مؤتمر قمة يضم دول المواجهة العربية (مصر وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان) وهناك قضايا أخرى وإن كانت فرعية فإنها قد تجد الفرصة لطرحها على بساط البحث، مثل قضية أمن البحر الأحمر، التى تطرح نفسها بإلحاح وربطها بقضية الأمن فى الخليج باعتبار أن البحر الأحمر هو امتداد الخليج من حيث إنه طريق لناقلات البترول القادمة فى طريقها إلى أوروبا الغربية، لذلك فإن غرب الخليج وغرب البحر الأحمر سوف يجدون أنفسهم يناقشون قضية مشتركة أخرى وجديدة على قاموسهم السياسى.

تم نشر المقال فى السنة الأولى – العدد التاسع عشر – 6 مارس «آذار» 1977 – 16 ربيع الأول 1397

أضف تعليق

الاكثر قراءة