لكي لا نغرق فى الرمال.. الصحراء تزحف علينا بسرعة 8 أميال فى السنة

لكي لا نغرق فى الرمال.. الصحراء تزحف علينا بسرعة 8 أميال فى السنةالصحراء

كنوز أكتوبر30-6-2022 | 20:28

حاتم نصر فريد

ملايين التلال الرملية الصغيرة المعروفة باسم «الكثبان الرملية» تنتشر فى هيئة سلاسل متموجة فى الصحراء وتتحرك أمواجها الرهيبة فى طوفان من الرمال الناعمة الصفراء لتغزو الأراضى الزراعية الخصيبة فى الوديان المجاورة لها فتفقدها حيويتها، وتقتل فيها خصوبتها وقدرتها على النماء والعطاء وتحولها من خضراء.. إلى صحراء قاحلة صفراء.

فكيف نحول دون هذا الغزو الصحراوى الأصفر؟.. كيف نصد طوفان الرمال الناعمة عن أرضنا الطيبة؟

وبعبارة أخرى.. كيف نمنع هذه الكارثة المروعة التى تزحف على أرضنا بسرعة 8 أميال فى كل سنة؟

ظاهرة فقد الأراضى الزراعية الخصبة نتيجة زحف رمال الصحارى عليها، تمثل تهديدا خطيرا لأجزاء كثيرة من العالم فى المناطق المتأخمة للصحراء.

فقد قارنت مجموعة العمل المشتركة بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة واليونسكو حدود الصحراء فى السودان سنة 1975 بحدودها فى سنة 1958 فاكتشفت أن حدود الصحراء قد زحفت جنوبا بمتوسط 100 كيلو متر خلال فترة 17 سنة، أى بمعدل 6 كيلو مترات فى السنة!

ويقدر فقد الأراضى شمال الصحراء الكبرى بحوالى 250 ألف فدان فى السنة، أما فى الجنوب فإن الصحراء زحفت بمعدلات تتراوح بين 100 و150 كيلو مترا خلال الـ 50 سنة الماضية على امتداد جبهة طولها 3000 كيلو متر.

ويقدر العلماء مساحة الأراضى الخصبة التى فقدت خلال الـ 100 سنة الماضية فى العالم نتيجة زحف الصحراء بنحو 3100 مليون فدان، بينما المساحة الزراعية حاليًا تقدر بنحو 3100 مليون فدان.

ولضخامة هذه المشكلة والأخطار التى تترتب عليها، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا فى سنة 1974، تدعو فيه إلى ضرورة تدعيم التعاون الدولى فى مجال مقاومة زحف الصحراء، وإلى اتخاذ الوسائل والأساليب التى تؤدى إلى تفادى الأخطار المتوقعة.

كما أن هنرى كيسنجر وزير خارجية أمريكا السابق وجه نداء فى آخر رحلة له فى إفريقيا إلى دول العالم للمساهمة فى إنشاء صندوق خاص لمقاومة زحف الصحراء فى القارة الإفريقية، وقدر لهذا الصندوق مبلغ 8 آلاف مليون دولار.

الحضارة هى السبب


وبالرغم من أن العوامل الجوية، والمناخية تلعب دورا رئيسيا فى عملية زحف الصحارى، فإن من المؤكد الآن أن هذه العوامل ليست هى وحدها المسئولة عن ذلك.. فقد أخذ الإنسان الحديث بعبث بعناصر الطبيعة من حوله/ وأساء استعمال مصادر المياه، فاستخرج المياه الجوفية من باطن الأرض وأدى ذلك إلى انخفاض مستواها ونضوب المخزون منها، وفقد مزيد من الغطاء النباتى لها.

و الكثبان الرملية تغطى أكثر من 30% من الصحراء وحينما تتعرض للرياح فإنها تتحرك مع اتجاه الرياح، وتؤدى حركتها إلى إتلاف المناطق الزراعية، نتيجة تحرك التربة واقتلاع النباتات بسبب الرياح واحتكاك الرمال، وهناك أضرار أخرى نتيجة تأثيرها على صحة الحيوان بالإضافة إلى الصحة العامة للإنسان.

أبوللو.. تحذر

ووادى النيل يعتبر من أكثر المناطق تعرضا لخطر زحف رمال الصحراء.

فمثلا منطقة مريوط التاريخية التى تمتد من الإسكندرية غربا كانت واحدة من أحسن المناطق لإنتاج الألبان وزيت الزيتون والنبيذ خلال عصرى الرومان واليونان، ثم تدهورت نتيجة زحف الصحراء وتحولت منذ القرن الحادى عشر إلى منطقة صحراوية بها عدد بسيط من الواحات.. وقد أوضحت الصور التى سجلتها سفينة الفضاء الأمريكية «أبوللو» للصحراء الغربية خلال السنوات الأخيرة أوضحت تقدم الرمال بشكل ملحوظ، وبطريقة لا ترى من الأرض.

ويقول عالم الفضاء المصرى د. فاروق الباز مدير معهد «سميثونيان»: إن كثبان الرمال تتحرك فى اتجاه أراضى وادى النيل الزراعية بمعدل 8 أميال فى السنة أى أنها يمكن أن تغطى مساحة كبيرة من الأراضى الخصبة على طول وادى النيل بالرمال خلال 30 سنة إذا لم نتحرك من الآن لوقف غزوها.

ألغام.. روميل

وباستخدام صور الفضاء سيأخذ د. الباز وفريق البحث الجيولوجى المرافق له فى رحلاته القادمة إلى الصحراء الغربية عينات من مناطق الزحف الصحراوى.

كما سيقيس الجيولوجيون تحرك الرمال بملاحظة انزلاق الكثبان الرملية على طول الصحراء إلى الجنوب الشرقى، وقد أوضحت صور الفضاء أن الكثبان تتحرك بمعدل ثلاثة أمتار شهريا، حيث تتركز الرمال فى الجنوب الشرقى، وهذا يمثل تهديدا خطيرا لبحيرة ناصر.

ولدراسة كيفية تحرك الرمال ومعدلاتها، يقول د. فاروق الباز: إنه سوف ينقب فى منطقى العلمين التى وضعت بها القوات الألمانية والبريطانية الألغام خلال الحرب العالمية الثانية ويقارون أعماقها الحالية بأعماقها التى دفنت بها منذ أكثر من 30 سنة مضت، وهى محددة على خرائط وبذلك تتضح كيفية تحرك الرمال..

يقول د. أحمد إبراهيم نجيب الأستاذ بالمركز القومى للبحوث: إن زحف الصحراء يمثل خطورة كبيرة تهدد جميع مشروعات التنمية فى مصر لمواجهة تحديات المستقبل، إذ تطغى على القرى والمنشآت والآبار والطرق والسكك الحديدية.

وأهم وأخطر هذه الكثبان سلسلة المحاريق فى الصحراء الغربية، وهى كثبان هلالية يبلغ طولها نحو 600 كيلو متر تتقدم فى اتجاه الجنوب الشرقى بسرعة فائقة نتيجة للجفاف وارتفاع درجة الحرارة، بالإضافة إلى منخفض القطارة الذى يمثل مصدرا ثابتا لتجدد رمالها، مع عدم وجود أية عوائق طبيعية تحد من تقدمها.

وقد سبق أن ردمت هذه السلسلة من الكثبان فى الثلاثينيات الخط الحديدى (سوهاج – الخارجة)، وطريق (الخارجة – الداخلة) وطمرت المنشآت العمرانية وردمت الآبار فى مناطق التوسع بالوادى الجديد ومديرية التحرير ومناطق عديدة من وادى النيل.

لكيلا نغرق فى الرمال

ولمواجهة هذا الخطر الذى لا يهدد مصر وحدها، بل يهدد كل دول شمال إفريقيا، يدعو د. عبد الفتاح القصاصى الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة إلى ضرورة إقامة مشروع قومى مشترك يمتد عبر المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر، ويصل بين المشروعات المحلية فى هذه الدول العربية الخمس لمقاومة زحف الصحراء عليها، لأن هذه المناطق العربية متشابهة بيننا.

ويقترح د. القصاصى إقامة سد أخضر متصل عبر دول شمال القارة الإفريقية، على حدود المنطقة التى تسقط بها الأمطار الكافية لمنع استمرار التدهور البيئى عن طريق تثبيت التربة والمحافظة على الرطوبة والتشجير الغابى وتحسين المراعى والإنتاج النباتى والحيوانى المناسب لهذه المناطق، ويمكن تحديد الموقع النهائى لهذا الحزام الأخضر بدقة بعد القيام بدراسات علمية لهذا الغرض.

ويمكن أن تتضمن مناطق السد الأخضر مساحات كبيرة من الأراضى الصالحة للرعى، لزيادة الإنتاج الحيوانى، فالمراعى الطبيعية فى مناطق شمال إفريقيا متدهورة بدرجة كبيرة، نتيجة للرعى الزائد وغير المنظم، وقطع الأشجار وغير ذلك.

واقتراحات أخرى لتثبيت الكثبان الرملية ووقف حركتها منها رش مخلفات المواد البترولية وزيوتها على سطح الكثبان الرملية، وزراعة النباتات المثبتة للرمال، من الأنواع ذات القدرة على تحمل الجفاف ونقص العناصر الغذائية الأرضية، ويمكن أيضًا استعمال مادة «الأجروسيل»، وهى إحدى مصلحات التربة، وكذلك مشتقات المطاط الصناعى.

وأخيرًا.. فإن هذه المشكلة التى تهدد الأراضى الزراعية فى كثير من دول العالم، وخاصة المنطقة المنتجة للحبوب فى إفريقيا والتى تعتبر مخزن الحبوب الرئيسى فى العالم، والتى من أجلها دعت الأمم المتحدة لأول مؤتمر لهجرة الصحراء فى نيروبى سيعقد بعد عدة أسابيع، هذه المشكلة تمثل بالنسبة لنا على المستوى المحلى خطرا أكثر تهديدا لمستقبل التنمية فى مصرـ مع ضيق الرقعة الزراعية الحالية، وصعوبة توفير مصادر الغذاء لأعداد السكان المتزايدة بصورة هائلة.

وعلى حد تعبير أحد خبراء وزارة الزراعة الأمريكية وهو جون باركر.. هذه المشكلة تعتبر النضال الحقيق لمصر، فى مواجهة تحديات مستقبل التنمية.

نشر فى السنة الأولى – العدد الثانى والعشرون – 27 مارس «آذار» 1977 – 7 ربيع الثانى 1397

أضف تعليق