الجمهورية الثانية

ما إن صدر العدد الماضي من مجلة أكتوبر حتى تلقيت أكثر من اتصال.. البعض منهم أثنى على المقال مؤكدًا أن الحديث عن الجمهورية الثانية واعتبار أن ما نطلق عليه اسم الجمهورية الجديدة هي الجمهورية الثانية؛ وهو التوصيف الحقيقي لأن الجمهورية الأولى بدأت عام 1953 عقب إنهاء مرحلة النظام الملكي، فقد ترهلت الدولة وشاخ النظام وانتشر الفساد.


أما الجمهورية الثانية فقد جاءت عقب ثورة شعبية قامت ضد نظام ترهل وأصاب الدولة بشيخوخة أهلكتها فى قطاعاتها المختلفة، ولأن ما حدث فى 2011 لم يكن للثورة قيادة توجه دفتها فاختطفتها الجماعة الإرهابية محاولة بها اختطاف الدولة، وأدرك الشعب الخطر سريعًا فاستعاد دولته من مختطفيها وخرج مطالبًا الفريق أول عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع فى ذلك الوقت، للنزول على رغبة الشعب والترشح لقيادة سفينة الوطن.

ليبدأ الرئيس السيسي فى 2014 عقب توليه رئاسة الجمهورية وحصوله على ثقة الجماهير فى انتخابات غير مسبوقة الجمهورية الجديدة، والبدء فى تنفيذ استراتيجية طموحة لتثبيت أركان الدولة والنهوض بها، وتعويض ما تأخرت فى تنفيذه الجمهورية الأولى خلال أكثر من 40 عامًا.

ورغم مكالمات التأييد لما نشرته فى العدد الماضي، إلا أن بعض الزملاء وفى مناقشة حول الجمهورية الثانية كانت لهم وجهة نظر أخرى ألا وهي:
إذا كانت الجمهورية الجديدة الحالية هي الجمهورية الثانية.. فماذا عن الجمهورية التي قادها السادات إبان ثورة التصحيح فى 18 مايو عام 1971 ضد مراكز القوى.. وماذا تقول عما قام به مبارك فى أوائل عهده وقبل أن يحدث الزواج بين رأس المال والسياسة وإصابة النظام بالشيخوخة؟!

هنا لا بد أن نتوقف قليلاً لتوضيح بعض النقاط المهمة استكمالاً لما نشرته فى العدد الماضي.

فالجمهورية الأولى فى مصر والتي اتفق عليها الجميع من الخبراء والسياسيين وأساتذة الاقتصاد والتاريخ الحديث والقانون، هي ما أعلن عنها عقب انتهاء فترة الحكم الملكي وإعلان الجمهورية وتولي الرئيس محمد نجيب الحكم فى 18 مارس 1953 ليتم تعديل النظام السياسي والاقتصادي بالكامل فى مصر، وتم وضع استراتيجية للنهوض بالدولة المصرية شملت المحور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري واستعرضناها بالتفصيل العدد الماضي.


أما ما حدث فى عهد الرئيس السادات فالنظام لم يتغير، إنما كان تحركًا من الدولة لاستكمال مسار الجمهورية الأولى التي كان أحد أهم أهدافها القضاء على الفساد، فكان ضرب مراكز القوى هو محاولة من قبل الرئيس السادات للقضاء على الفساد، كما كان تحركه باتجاه القضية المحورية فى ذلك الوقت، لاستعادة الأرض.


وجاءت السنوات العشر الأولى فى عهد الرئيس مبارك لاستكمال ما كان يطمح الرئيس السادات لتحقيقه من تنمية، لكن سرعان ما حدث ترهل فى بعض القطاعات لينتشر بشكل كبير فى المؤسسات ويصبح بمثابة نهاية الجمهورية الأولى التي أصابتها الشيخوخة عقب 57 عامًا.


ولأن ما يحاول البعض الحديث عنه كونه مجموعة من الجمهوريات التي تسبق الجمهورية الحالية، ليس سوى مراحل جميعها جاءت ضمن عمر الجمهورية الأولى.
أعود إلى النقطة المهمة، وهي لماذا الجمهورية الحالية هي الجمهورية الثانية؟!


أولاً: الجمهورية الجديدة التي جاءت عقب ثورة 30 يونيو وضعت مجموعة من المحددات والرؤى لها لتنفيذها بدأت من 2014 وحتى 2030 واستهدفت نقلة نوعية للدولة المصرية تتفق وطموحات المواطن.
ثانيًا: استهدفت إحداث أكبر عملية توسع عمراني للدولة المصرية خارج حدود الشريط الضيق الذي ظل لمئات بل لآلاف السنين هو فقط المعمور من مساحة مصر.


فقد اقتصر العمران خلال سنوات ما قبل 2014 على مناطق الوادي والدلتا، ورغم إنشاء المدن الجديدة إلا أن النمو السكاني بها لم يصل إلى المستهدف بسبب سوء الخدمات وضعف البنية التحتية من طرق ومواصلات ومرافق، مما جعلها بيئة طاردة للسكان فخلق أكبر مشكلة فى تاريخ الدولة المصرية (العشوائيات).


لتأتي الجمهورية الثانية، وتحدث أكبر عملية توسع عمراني، أعقبها إعادة فى التوزيع السكاني مع النمو المتزايد فى عدد السكان، وشجع على ذلك سهولة الوصول إلى المدن الجديدة والتي تم ربطها بأكبر شبكة للطرق وأكبر شبكة للمواصلات العامة، مما جعلها مناطق جذب سكاني لتساهم فى إعادة توزيع السكان للخروج خارج الوادي الضيق والاستفادة من الامتدادات الخارجية للمحافظات، لتصبح مأهولة بالسكان وتتكون بها تجمعات تنموية وهو أحد أهداف الجمهورية الجديدة، فقد تم خلق مناطق جاذبة للسكان من خلال إنشاء بنية تحتية مخططة عملاقة تستوعب أي نمو سكاني خلال المائة عام القادمة.


فتم إنشاء مدن الجيل الرابع لمواجهة الزيادة السكانية المرتقبة، والهروب من الزيادة السكانية التي تهدد محافظات القاهرة الكبرى، وبعض محافظات الدلتا.


وبدأت وزارة الإسكان تنفيذ مخطط مدن الجيل الرابع والتى تضم (14 مدينة جديدة – مدن الجيل الرابع) لمضاعفة المسطح المعمور فى مصر وأبرزها: مدينة العلمين الجديدة، مدينة المنصورة الجديدة، والعاصمة الإدارية، وشرق بورسعيد، مدينة الجلالة، الإسماعيلية الجديدة، امتداد مدينة الشيخ زايد، مدينة ناصر غرب أسيوط، غرب قنا، توشكى الجديدة، حدائق أكتوبر، مدينة شرق ملوى، والفشن الجديدة (شرق بنى سويف).
ويأتي الهدف من بناء مدن الجيل الرابع ليست الرفاهية، إنما المساعدة فى توزيع الزيادة السكانية الكبيرة، ومضاعفة المعمور المصري بدلاً من التكدس الكبير فى الوادي والدلتا، إلى جانب وضع مصر على خريطة الاستثمارات العالمية، وتم اختيار هذه المواقع الاستراتيجية لتحقيق أكثر من معيار، منها الموقع المميز الذى يجعلها تنافس عالميًا وإقليميًا وأنها تكون على المحاور التنموية المحددة لمضاعفة الرقعة السكانية، بالإضافة إلى أنها تكون مرتبطة بالمشروعات الكبرى التى تعمل الدولة على تنفيذها.


ومن المقرر أن تكون مدنًا ذكية يقدم بها جميع الخدمات إلكترونيًا وتغطيها شبكة المعلومات العالمية؛ بما يتوافق مع رؤية مصر 2030 واستراتيجية التنمية المستدامة 2052، وستصبح هذه المدن مركزًا لريادة المال والأعمال على المستوى القومي والإقليمي، وتؤدى جميع الخدمات الحكومية لقاطنيها ومحيطها العمراني بشكل بسيط وحضاري.


تأتى العاصمة الإدارية فى مقدمة مدن الجيل الرابع، وتصل مساحتها 180 ألف فدان - المرحلة الأولى منها بمساحة 40 ألف فدان، وعدد السكان المتوقع 6.5 مليون نسمة.
يبلغ عدد مدن الجيل الرابع 37 مدينة، المرحلة الأولى منها 17 مدينة والمرحلة الثانية 14 مدينة والمرحلة الثالثة 5 مدن.


ثالثًا: إصلاح الهيكل الاقتصادي للدولة وهو ما تم خلال السنوات الثماني الماضية، وتواصل الجمهورية الثانية عملية الإصلاح الاقتصادي الذي كانت إحدى ثماره قدرته على مواجهة الأزمات.
فلولا إسراع الدولة المصرية بعملية الإصلاح الاقتصادي وتعديل حزم من القوانين ساعدت على ذلك، لما استطاع الاقتصاد المصري وفق حالته القديمة أن يصمد فى مواجهة هزة مثل جائحة كورونا أو الأزمة الروسية الأوكرانية.
كما حرصت الجمهورية الجديدة على إتمام أكبر عملية إصلاح فى الهيكل الإداري للدولة، وتواصل عملية الإصلاح مع التطور التكنولوجي الذي تشهده كل المؤسسات.
وإعادة ترسيم الحدود الإدارية بين المحافظات، بما يتوافق مع طموحات الدولة الجديدة للاستفادة من مواردها وتحقيق العدالة بين المحافظات المختلفة.
فلم يعد من المقبول فى الجمهورية الثانية أن تحظى عدة محافظات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة بكل الخدمات، فى حين تعيش معظم المحافظات حالة من عدم القدرة على توفير الخدمات لقاطنيها مما جعلها خلال فترة ما قبل 2014 محافظات طاردة للسكان، لتأتي حياة كريمة وتعيد لتلك المحافظات استقرارها بعد عملها على تحسين جودة الحياة بها بتكلفة قاربت تريليون جنيه.
رابعًا: التوسع فى أنظمة الرعاية الاجتماعية لخلق حالة من السلام الاجتماعي داخل الدولة، وهو ما حرص الرئيس عليه وكان آخره ما أقرته الحكومة بناءً على التوجيهات الرئاسية من حزم الرعاية التي بلغت 11 مليار جنيه والتي خصصت للمرحلة الحالية لتخفيف حدة تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على المواطن.
بالإضافة إلى برامج تكافل وكرامة و حياة كريمة وغيرها من مبادرات الرعاية الاجتماعية، بالإضافة إلى التوسع فى قطاع الخدمات الصحية وصولاً إلى جودة الخدمة الصحية من خلال التأمين الصحي الشامل.
ذلك بالإضافة إلى ما أحدثته الجمهورية الثانية فى ملف الأمن والاستقرار وملف السياسة الخارجية للدولة المصرية وعلاقتها بالأشقاء العرب ودول العالم والقوى الدولية.
لتحقق ما ضمنته رؤية مصر 2030 على أنه مع حلول عام 2030 فإن مصر ينبغي عليها أن تكون واقعة بين الثلاثين دولة الأول فى العالم.
إن ما حققته مصر فى قطاع الصناعة خلال الفترة الماضية وتواصل العمل عليه خلال المرحلة المقبلة من أجل تحقيق أكبر طفرة نمو صناعية فى مصر يستهدف تنفيذ رؤية مصر 2030، بالإضافة إلى ما تحقق فى قطاعات الزراعة والتعليم وغيرها.


إن ما حققته الجمهورية الثانية خلال السنوات الثماني الماضية، ورغم ضخامة ما تحقق والذي بلغ حد الإعجاز إلا أنه فى طموحات الجمهورية الجديدة هو مجرد بداية على الطريق الصحيح نحو بناء دولة قوية تليق بما تمتلكه من إرث حضاري.


أسرار 50 سنة صحافة


أهداني أستاذي محسن حسنين كتابه أسرار 50 سنة صحافة ولا أنكر أنني منذ اللحظة الأولى التي كشف لي عن شروعه فى كتابة هذا الكتاب، وأنا أنتظر اللحظة التي أحصل فيها على نسختي.
ليس لأنه أستاذي وهذا فخر لي ولأبناء جيلي فى مجلة أكتوبر، لكن ما يمتلكه الأستاذ محسن حسنين من أسلوب يجعلك لا تستطيع أن تتوقف إذا ما شرعت فى قراءة الكتاب حتى تنتهي من سطوره الأخيرة.
إن حجم ما يمتلكه من التجارب والخبرات الصحفية والتي استعرض جزءًا منها فى كتابه، يجعلني أتمنى لو أن قام بإعداد جزء ثانٍ للكتاب لاستكمال ما عرضه فى الجزء الأول.
فشكرًا أستاذي أن منحتي خبرة 50 عامًا فى كبسولة صحفية رشيقة وممتعة.

أضف تعليق

الاكثر قراءة