هل تؤمم فرنسا شركة «داسّو» التى تصنع طائرات الميراج؟

هل تؤمم فرنسا شركة «داسّو» التى تصنع طائرات الميراج؟شركة داسّو

كنوز أكتوبر12-5-2022 | 17:38

موسى بدوى

تعيش فرنسا حاليًا أحداث قضية مالية صناعية وعسكرية اقتصادية بالغة التعقيد، هى ما يطلقون عليه اسم «قضية داسو».. و «داسو» هو صاحب ومؤسس ومدير الشركة الكبرى، التى يكفى لتقدير حجمها وخطورتها، إنها هى التى تصنع الطائرة الجبارة الشهيرة «الميراج».

عندما يدور الحديث حول الأسلحة العصرية شديدة التعقيد، وعن فاعليتها وأثرها فى حسم المعارك وتحديد مجرى الحروب، سواء كان الحديث على مستوى الأفراد العاديين، أو بين رجال الدولة، فإن أول ما يتبادر إلى أذهان المتحدثين هو اسم الشركة، التى تنتج سلاحا بعينه والثقة، التى تتكون لدى الرأى العام العالمى عنه.


إن شهرة أية شركة وسمعتها، يتحدد حجمهما، وفقًا لمتانة أو دقة أو فعالية الأسلحة، التى تنتجها ومن هنا تتلازم هذه الأسلحة مع اسم الشركة، التى تصنعها وهذا هو الذى يجعل الحديث الذى يدور عن الطائرة الفرنسية الشهيرة «الميراج»، يقترن على الفور باسم صانعتها وهى شركة «داسو».


إن هذه الطاشرة وشبيهاتها، مثل ميستير، غنية عن التعريف ميزتها الرئيسية سرعتها الفائقة، التى تجعلها تفلت من أى مدفعية مضادة مهما كانت دقتها فى التصويب والحساب، وتروغ من أى مطاردة كما يتبخر السراب، مهما تابع مطاردته العطشان.
والدول التى لا تصنع سلاحها كله بنفسها، تسعى جاهدة للحصول على أفضل ما فى أسواق السلاح، من حيث النوع والأسعار، وعندما تقرر دولة أو مجموعة من الدول تزويد قواتها بطائرات قوية وسريعة، لها الغلبة والتفوق على أى طائرة أخرى من التى يمكن أن تواجهها، فإن تفكيرها يتجه ولا شك إلى الميراج، التى أجمع الخبراء العسكريون العالميون على أنها هى والفانتوم، تجيئان على رأس مجموعة الطائرات الحربية ذات الكفاءة العالية.
من هنا كانت أهمية، بل وخطورة شركة داسو، التى هى محور القضية التى تتحدث عنها فرنسا كلها اليوم.


داسو – استريكس


«داسو» شركة خاصة، اسمها التجارى الكامل هو ( داسو – استريكس)، أسسها منذ ستين عاما رجل صناعة بارع يدعى «مارسيل داسو»، بلغ اليوم الرابعة والثمانين من عمره، أمضى كل حياته يصمم نماذج الطائرات وصنعها ويبيعها، واستطاع بدأبه وعبقريته وإخلاصه أن ينافس أعتى شركات ومصانع بناء الطائرات العالمية، بما فيها أكبر المصانع الأمريكية.


والصناعة تؤتى ثمارا طيبة، عندما يخلص لها العاملون فيها، ولأن مارسيل داسو أعطى كل تفكيره وجهده لبناء الطائرات، فإنها أعطته ما لم يكن يحلم به، تقديرا وثراء.


إنه أحد أكبر أثرياء العالم، وشركته فى مكان رفيع ممتاز، وسمعته فى القمة، والثقة فيها وفيما يصنع مطلقة لا حدود لها.


وشركة (داسو) هى المتعهد الوحيد لتوريد كل ما يلزم القوات الفرنسية المسلحة من طائرات وأسلحة جوية إلى جانب العقود، التى تبرمها مع الكثير من دول العالم، بشرط أن توافق عليها الحكومة الفرنسية وتسمح بها.


وهى بذلك تحقق أرباحًا طائلة، تدخل كلها خزائنها، ويتصرف فيها مارسيل داسو باعتباره صاحب الشركة ومديرها، إلا أن هذه الأرباح بالذات، هى التى كانت السبب المباشر فى إثارة قضية اليوم، على إثر ما بدأ يتردد فى طول فرنسا وعرضها، من أن هذه الرباح يتعين أن تعود كلها إلى المساهمين فيها.


وثمة سبب آخر ساعد فى تفجير القضية، وهو ما تواتر من أنه لا يجوز، ولا ينبغى للقوة الهائلة، التى خلقتها الشركة لنفسها أن تقف فى وجه القوة الأخرى التى تمثلها الدولة، أو تتحداها.
ومن هنا، برزت إلى الوجود فكرة جريئة، تنادى بأن الوقت قد حان لكى يجرى تأميم (داسو).


ولكى نتعرف على أبعاد هذه القضية، وقبل أن نقفز إلى النتائج المنتظرة لها، يحسن أن نمعن النظر قليلا فى وضع الشركة، وأثرها فى الاقتصاد الفرنسى، والنظام الفنى والصناعى، الذى تقوم عليه؛ لأنها امبراطورية حقيقية، وليست شركة بالمعنى المعروف عن الشركات.


إن امبراطورية ( داسو – استريكس) ليست جهازا ميكانيكيا هائل الحجم، يتكون من آلات ضخمة أمكن تجميعها وتركيبها، ويمكن فى أى وقت فك أجزائها وفقا لرغبة طارئة، أو ظرف نشأ على غير انتظار، إنها معجزة كبرى فى عالم صناعة اليوم.
ولقد قامت مؤسسة (داسو) نتيجة عمليات كثيرة جرت فى غضون السنوات الستين الماضية، منها عملية الاختيار الدقيق التى اتسمت بالصبر، للرجال الذين يعملون بها، وعملية وضع وتطبيق تقليد مستمر إلى الآن، يقضى بأن يعمل الجميع بروح الفريق وبصورة مشتركة، وعملية تقرير أن يتبادل الجميع كل ما يصل إليهم من معارف، وما يحصلونه من ثقافة وعلم، مع التزامهم بأسلوب أصيل فى البحث والتطوير.


كل هذه العناصر هى التى كونت شركة (داسو) ونتيجة لهذا الوضع، واستنادا إلى العوامل المادية الملموسة، استطاعت الشرطة الأمريكية الكبرى، ومن بينها (لوكهيد ونورثروب).


إن هذه الشركات تتطلع فى دهشة إلى الطريقة التى يسير عليها العمل فى ( داسو – استريكس) ، خاصة فى مجال التكاليف، وعلى سبيل المثال، فإنه بينما جاءت الطائرات ميراج – 4 الفرنسية أكثر تفوقا من الطائرة الأمريكية المماثلة وهى (ف – 111)، إذا بتكاليف النموذج الأول للطائرة الفرنسية، يقل عشر مرات عن النموذج للطائرة الفرنسية، يقل عشر مرات عن النموذج الأول للطائرة الأمريكية، فهل يمكن فعلا تأميم هذه الشركة، التى عرفت كيف تتفوق على عمالقة الصناعة العالمية، وتدير هذا العمل الفنى الجبار، بغير أن يترتب على هذا التأميم سقوط هذه الامبراطورية الشامخة؟


كان ثمة سؤال يلح على الأذهان فى فرنسا، طوال الشهور الثلاثة الماضية، ووجه بصفة خاصة إلى خبراء الصناعة والاقتصاد، وكان نص السؤال هو: هل يمكن للدولة تأميم شركة داسو؟


لقد تلقى الخبراء السؤال، وأداروه فى عقولهم، وبحثوا النتائج المترتبة عليه فى حالتى السلب والإيجاب، ثم أجابوا بنعم.


وهذا، زاد هؤلاء الخبراء المسألة تعقيدا على تعقيد، مما ضعف من حيرة السلطات المسئولة، وضاعف من التردد لديها، وجعلها تلجأ إلى المزيد من الأبحاث والتحليلات.


داسو.. يخاطب الجماهير


والآن.. ما الأسباب المباشرة، التى دعت إلى التفكير الجدى فى عملية تأميم امبراطورية (داسو)؟


يقولون فى الأمثال: لكل جواد كبوة.. ولكل عالم هفوة.


والجواد هنا، هو مارسيل داسو، فما الخطأ الذى وقع فيه؟ إن هناك عدة اتهامات توجه إليه، وهى:


 إن مجموعة الشركات التى تنطوى تحت لوائه، تتبع سياسة متعمدة ومنظمة، تهدف إلى أن تنخفض إلى أدنى حد الأرصدة العاملة، التى تمتلكها الشركات التى تساهم فيها الدولة.
 إن مارسيل داسو يخلط، متعمدا، حساباته الشخصية، مع الحسابات الخاصة بهذه الشركات.
 الميزانيات الحسابية لعشرات العمليات التى نفذها فى الآونة الأخيرة، تجعله عرضة للاتهام بارتكاب عملية استغلال غير مشروع للمال العام.
 إن مارسيل داسو تواطأ مع مفتشى ومراجعى الضرائب، لتجنب دفع عدة مليارات الشركات التابعة له، والتى تشرف عليها الدولة، ولا تعمل فى حقل صناعة الطائرات، ولم تتم مراجعة سجلاتها منذ ثمانى سنوات، وساء كانت هذه الاتهامات صحيحة أو ملفقة، وسواء وقع فيها عن عمد أو عن غير عمد، فإنه قد جانب الصواب عندما تصور أنه لا يزال حتى اليوم مطلق اليدين فى التصرف المنفرد فى شئون الشركة وأموالها، بعد الأخذ بالنظريات الاقتصادية الحديثة التى تجعل للمرء، حتى على أمواله الخاصة، رقيبا وحسيبا.


لكن من محاسن النظام الديمقراطى، أن يتيح للمتهم فى أكبر الجرائم أن يدافع عن نفسه، وبالطريقة التى يختارها، وقد اختار مارسيل داسو أن يتوجه رأسا إلى الجماهير فى جميع أنحاء فرنسا، وأن يخطابها عن طريق التليفزيون، وتم له ما أراد.
وراح الملايين من الفرنسيين، فى الأسبوع الماضى يشاهدون الرجل العظيم على شاشات أجهزتهم، ويصغون إلى ما يقول، بينما مضى هو يوضح الكثير من الأمور، التى كانت غائبة عن الكثيرين، وكان دفاعه بسيطا ومجيدا.


قصة وراء القصة


كان صوت مارسيل داسو، وهو يتحدث فى التليفزيون، رخيما رتيبا، وكانت عيناه ثابتتين، وتلمعين من وراء زجاج نظارته السميك.
وراح المشاهدون يتطلعون فى إعجاب إلى الابتسامة العريضة، التى ملأت وجه ذلك الرجل، الذى كان من قبل أكثر أثرياء العالم غموضا.
أخذ وهو يروى قصة الملايين الثمانية من الفرنكات، التى اكتشف اختلاسها من أموال امبراطورية «داسو»، وكيف تمكن من اختلاسها مدير حساباته، وهو يدعى «هرفيه دى فاتير» فاضطر آسفا أن يبلغ عنه، فلما ألقى البوليس القبض عليه، راح يسوق الاتهامات جزافا، فى محاولة منه لتبرير فعلته، ولكى ينثر الطين ذات اليمين وذات الشمال.


وما كاد مارسيل داسو ينتهى من روايته، حتى كان الشعور العام لدى ملايين المستمعين أنه برىء تماما، وأنه يتصرف بصورة سليمة، وأن كل ذنبه أنه وضع ثقته فى إنسان منحرف، لا يستحق هذه الثقة.
ولكن هل تنتهى القصة عند هذا الحد؟.. كلا، خاصة أن الصحافة الفرنسية تلقفت الغضبة، وانطلقت تعمل فى نشاط كبير لجللاء ما غمض منها، وقد كشفت التحقيقات التى جرت فى هذا الشأن، عن أمور خطيرة، منها أن لمدير الحسابات فى امبراطورية داسو شريكا فى عملية الاختلاس وتهريب الملايين الثمانية من الفرنكات، وهو رجل مغامر له علاقات مريبة، تتناول عمليات تهريب الأسلحة، وبصفة خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط.
وهذا الشريك الغامض هو «جان كاى»، الجندى المرتزق الذى حارب فى الجزائر والكونغو واليمن، والذى اعتقل عام 1972؛ لقيامه بعملية خطف إحدى الطائرات، ثم برئت ساحته لأنه ادعى أنه قام بذلك لحمل حكومة باكستان صاحبة الطائرة، على تقديم شحنة من الدوية والمواد الطبية للأطفال الأيتام فى بنجلاديش.


وهو أيضًا الوسيط السرى، الذى عن طريقه استطاع حزب الكتائب اللبنانى أن يشترى من فرنسا وبلجيكا، شحنات ضخمة من الأسلحة، هى التى يحارب بها فى لبنان.
وهذا الشريك لا يزال مختفيا، ومن خلفه يسعى البوليس الفرنسى والدولى، وكل الذين وعدهم بشحنات من الأسلحة المهربة.


السياسة تطل برأسها


ولم تلبث السياسة أن تدخلت فى القضية، حقًا إن الاقتصاد عصب السياسة، ولكن أن تتخذ هذه القضية مثل الأبعاد التى أضفتها عليها الأحزاب الفرنسية، فإن ذلك معناه أنها أخطر مما كان يعتقد.
لقد ظهر الحزب الشيوعى مطالبا مباشرة بتأميم الشركة، وراح الحزب الاشتراكى بدوره ينادى بضرورة إنشاء لجنة برلمانية، تقوم بالتحقيق الجاد فى كل ما قامت به، على حين أن الراديكاليين واليسار أخذا يعزفان على نفس النغم.
أما قصر الإليزيه، فإنه ما زال يرقب من بعيد، ما يتكشف من أسرار، وما سوف تأتى به الرياح، وبدأ كبار المسئولين فى الدولة ينقبون فى ملفات صناعة الطائرات برمتها، ويغرقون فى تحليلات الأرقام، ومراجعة العقود وصفقات بيع السلاح، تمهيدا لإعداد التقرير الخطير، الذى سوف يقضى بتأميم (داسو) أو عدم تأميمها.


وأمعنت الطبقة السياسية النظر فى السؤال التالى: تأميم أو لا تأميم؟


وعلى الفور أدركت أنها لا تكاد تفقه شيئًا، مما يدور داخل هذه الامبراطورية الضخمة لصنع الطائرات، إن ما تعلمه على وجه اليقين، هو أن هذه الطائرات التى أطلقت عليها أسماء رمزية مثل «مستير» و «ميراج»، قد وصلت إلى أقصى بقاع القارت الخمسة، حيث أصبح كل منها سفيرا ممتازا لفرنسا.


ثم إنها تعرف أنه لم يعد هناك قروى يعيش فى أقصى أمريكا الجنوبية، أو فلاح فى صعيد مصر، إلا وفى ذهنه الكثير مما سمع عن طائرات الميراج.


أما ما عدا ذلك، فإن هذه الطبقة السياسية لا تدرى شيئا عنه.


لقد جمع داسو الآلات الصناعية الضخمة، وتولت هذه الآلات صنع هذه المعجزات الطائرة، إلا أنه قد خلق قبل ذلك، مجموعة رائعة من المهندسين، الذين كانوا وراء المعجزة، والذين جعلوا العالم بأسره ينظر إلى فرنسا من أجلهم فى حسد.
إن الآلة.. والإنسان.. قد اتحدا معا.. فكان هذا الثنائى الرائع، الذى قام بالدور الأول فى تكوينه رجل واحد، هو مارسيل داسو.


فهل يستطيع رجال السياسة أن يبقوا على كل ذلك؟ وهل هم قادرون على الاستمرار فى إدارة هذه السيمفونية الصناعية؟


هذا هو ما جعل المشكلة تزداد تعقيدا، فهناك مصلحة فرنسا العليا، التى تتطلب دوام ما تقدمه الامبراطورية، بنفس الجودة والاتقان، وبدون أن تنخفض كفاءة الطائرات الفرنسية أو تفوقها العالمى.


و فرنسا لا تنسى أيضًا أن طائرات الميراج هى (البعبع)، الذى يخشاه صناع الطائرات فى أمريكا، وهى التى تجعل السلاح الجوى الأمريكى يرسل بعثاته إلى مصانع داسو، لدراسة عناصر نجاحها وتفوقها، ولكى تتوصل إلى السبب الذى يجعل الجميع يفضلون الميراج.


فهل تؤمم فرنسا امبراطورية «داسو» ؟

أضف تعليق