كذبة أبريل.. يا لها من حلم جميل!!

كذبة أبريل.. يا لها من حلم جميل!!نسيم الهواري

الرأى2-4-2026 | 11:12

رأيت فيما يرى النائم أنني كنتُ خارج هذا العالم، أو لعلّ العالم هو الذي خرج من نفسه، كما يخرج الجسد من حمّى طويلة، خفيفًا على غير عادته، كأنه تخلّص فجأة من تاريخٍ كان يثقل عظامه.

وكأن العالم قد استيقظ فجأة من تاريخه، كما يستيقظ إنسانٌ مذعور من كابوسٍ طال أكثر مما ينبغي.

رأيتُ العالم وقد نزع جلده الخشن، ذلك الجلد الذي اعتدنا أن نسميه "الواقع".

لم يعد القوي يختبر قوته على الضعيف، ولم يعد الضعيف يتقن فنّ الصبر حتى يختلط عليه الصبر بالاستسلام.

لا سجون تبتلع الأعمار في صمت، لا أبواب تُغلَق على الحقيقة لأنها عارية أكثر مما ينبغي، لا وجوه تتعلم الكذب كي تنجو.

كان الإنسان هناك يمشي مستقيمًا، لا لأن الطريق سهل، بل لأنه لم يعد مضطرًا للانحناء.

وكأن الحياة قد خفَّ حملها فجأة، لا لأن الأرض صارت أوسع، بل لأن القلوب لم تعد تضيق بمن عليها.

كان كل شيءٍ هادئًا… هدوءًا يثير الريبة، كأن الضجيج الذي اعتدناه لم يكن سوى اعترافٍ دائم بأن شيئًا ما فينا معطوب

في تلك الرؤيا، لم يكن الظلم حدثًا يُدان، بل فكرةً منقرضة، كأن البشرية تخلّت عنها كما تتخلّى عن عادةٍ قديمة لم تعد تليق بها.

لم تكن هناك أيدٍ ترتجف وهي تمتدّ لتأخذ حقها، ولا أعين تنكسر وهي تطلب ما هو لها أصلًا.

كان الحق واضحًا كالشمس… لا يحتاج إلى محامٍ يلمّعه، ولا إلى شاهدٍ يُنقذه من الإنكار.

ورأيتُ العالم -لأول مرة - بلا قسوةٍ مُقنَّعة.

لا أحد يُهذّب ظلمه بعباراتٍ ناعمة، ولا أحد يبرّر أنانيته بحكمةٍ زائفة.

كان الإنسان هناك خفيفًا من ذلك الثقل الذي نحمله نحن: ثقل التبرير، ثقل التناقض، ثقل أن نعرف الصواب ونفعل نقيضه ثم نُتقن الدفاع عن خطئنا.

في تلك الرؤيا، لم تكن هناك أخبار عاجلة، لأن العجلة نفسها فقدت معناها. القنوات التي اعتادت أن تتغذى على الدم، لم تجد ما تبثه. لا حروب، لا انفجارات، لا صور أطفالٍ يركضون من موتٍ لا يفهمونه.

أما الطغاة… فقد اختفوا.

لم يسقطوا بانقلابات، ولم يُحاكموا في ساحاتٍ صاخبة، بل تلاشت صورتهم ببساطة، كما تتلاشى الظلال حين تشرق شمسٌ لا تقبل المساومة.

رأيتُ كراسي الحكم فارغة، كأن الكرسي نفسه لفظ من لا يستحقه

لا يجلس عليه من يظن نفسه أكبر من شعبه.

لم يعد هناك من يُخيف الناس ليحكمهم، ولا من يُجَوِّعهم ليُطيل بقاءه.

كان الحاكم، إن وُجد، أقل الناس رغبةً في السلطة، وأكثرهم خوفًا من ثقلها… كأنه يحمل الناس لا يجلس فوقهم.

والعجيب أن الشعوب لم تصرخ فرحًا، لم تخرج إلى الشوارع لتحتفل، كأنها لم تُصدّق بعد أن هذا الكابوس الطويل قد انتهى.

كانت تمشي بحذر، كما يمشي من تعافى لتوه من مرضٍ مزمن، يخشى أن تكون الصحة مجرد هدنة قصيرة.

وفي مكانٍ آخر من العالم،. كان العدل حاضرًا، لا كشعورٍ نادر، بل كهواءٍ لا يُلاحظ… لأن غيابه هو الكارثة، لا حضوره.

رأيتُ العدالة وقد عادت من منفاها الطويل..

لم تعد كلمة تُستخدم في الخطب، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل صارت فعلًا يوميًا بسيطًا، يحدث دون ضجيج

لم يعد المظلوم بحاجة إلى أن يصرخ ليُسمع، ولا إلى أن يُثبت أنه مظلوم.

كان الحق واضحًا… إلى درجة أن إنكاره أصبح مستحيلًا.

الاقتصاد، ذلك الوحش الذي ابتلع أحلام الملايين، بدا في حلمي كأنه قد اعتذر.

لم يعد الفقر قدرًا يُورَّث، ولا الغنى حصنًا يُحاط بالأسلاك.

رأيتُ الناس يعملون… نعم، لكنهم لا يُستنزفون.

يأخذون ما يكفيهم، لا ما يُشعرهم بأنهم نجوا مؤقتًا من الغرق.

لم يعد أحدٌ مضطرًا لأن يبيع كرامته ليشتري يومًا آخر من الحياة.

لم يكن الفقر وصمة، ولا حفرةً يُدفع إليها من لا حيلة له.

وفي تلك الرؤيا، لم يكن هناك من يعمل عملين ليعيش حياةً نصفها تعب ونصفها قلق.

لم تكن الحياة سباقًا محمومًا خلف لقمةٍ تهرب كلما اقتربت منها.

كان الرزق يأتي بوجهٍ إنساني، لا كعدوٍّ يجب مطاردته حتى الإنهاك.

كان العوز -إن وُجد - حالة عابرة، لا قدرًا مُقيمًا، وكان المجتمع كله يقف كجدارٍ واحد، لا يسمح لإنسانٍ أن يسقط وحده.

أما الغنى… فلم يكن حصنًا معزولًا.

لم أرَ تلك الأسوار غير المرئية التي تفصل البشر إلى طبقاتٍ لا تلتقي إلا في النظرات.

لم يكن الغني يخاف الفقير، ولا الفقير يحسد الغني، كأن المال فقد قدرته على زرع العداوة بين الناس.

كان هناك توازن خفي… عدلٌ لا يُعلن عن نفسه، لكنه يُشعرك أن كل إنسانٍ أخذ ما يكفيه ليعيش بكرامة، لا ليُثبت تفوّقه.

لم يعد المال إلهًا صغيرًا يُعبد في الخفاء، ولا سوطًا يهبط على ظهور من لا يملكونه.

كان وسيلة… مجرد وسيلة، وهذا وحده كان كافيًا ليُعيد للناس وجوههم.

وفي المدن، لم تكن هناك تلك العيون المرهقة التي نعرفها.

الوجوه لم تعد تحمل ذلك التعب الصامت، ذلك التعب الذي لا يأتي من العمل، بل من الإحساس الدائم بأن الحياة أثقل مما يجب.

كان الناس يمشون بخفة… لا لأنهم بلا هموم، بل لأن الهم لم يعد مهينًا.

حتى الطبيعة، التي اعتادت أن تُعامل كضحية صامتة، بدت وكأنها استعادت أنفاسها.

الهواء لم يعد ثقيلًا، والماء لم يعد غريبًا عن صفائه.

كأن الأرض سامحتنا… أو قررت أن تمنحنا فرصة أخيرة.

وفي العمل، لم يكن الإنسان مضطرًا لأن يلبس وجهًا آخر.

لا تملّق، لا طعنٌ في الظهر، لا سباق محموم نحو لا شيء.

النجاح لم يعد يحتاج إلى دهاء أخلاقي، بل إلى جهدٍ واضح، يُرى كما هو.

وكانت الكرامة محفوظة… لا تُفاوض، ولا تُؤجَّل.

وفي العلاقات… كان الدفء حقيقيًا.

لم يكن الناس يقتربون من بعضهم بدافع الحاجة ثم ينسحبون عند الاكتفاء.

لم يكن الحب صفقة، ولا الصداقة استثمارًا مؤجلًا.

لم تكن القلوب تُدار بعقلية الربح والخسارة.

رأيتُ وجوهًا لا تُخفي نواياها، وكلماتٍ لا تحتاج إلى ترجمة، وعيونًا لا تراقبك لتبحث عن خطأ.

كان الأمان… داخليًا، لا مفروضًا.

أما في داخل الإنسان نفسه… فكان هناك صلح.

لم أجد ذلك الصراع الخفي بين ما نعرفه صحيحًا وما نفعله فعلًا.

لم يكن هناك ضمير يُسكَت، ولا قلقٌ يُبرَّر، ولا تنازلات تُلبَس ثوب "الواقعية".

كان الإنسان متصالحًا مع نفسه… وهذه، وحدها، كانت كفيلة بأن تغيّر العالم.

لكن، وسط هذا الصفاء، بدأ شيءٌ ثقيل يتسلّل إلى صدري.

لماذا يبدو كل هذا… مستحيلًا؟

لماذا نشعر، ونحن نقرأ هذه الصور، أنها جميلة أكثر مما ينبغي، وكأن الجمال نفسه صار مبالغة؟

متى تحوّل الطبيعي إلى حلم، والبديهي إلى رفاهية، والإنساني إلى استثناء؟

أدركتُ أنني لا أرى عالمًا جديدًا، بل أرى العالم كما كان يمكن أن يكون… لو أننا لم نتدرّب طويلًا على القسوة.

لو أننا لم نُقنع أنفسنا أن الكذب مهارة، وأن الأذى وسيلة، وأن الأنانية ضرورة.

لو أننا لم نُربِّ أنفسنا على أن البقاء للأقسى، لا للأصدق.

استيقظتُ…

وكان الاستيقاظ سقوطًا.

لم يكن هناك صمت الأسلحة، بل ضجيج الأخبار.

لم تختفِ الوجوه القاسية، ولا الكراسي الممتلئة بمن لا ينبغي أن يجلسوا عليها.

الأطفال ما زالوا يكبرون أسرع مما يجب، والناس ما زالوا يتقنون فن إيذاء بعضهم بطرقٍ مبتكرة.

عاد الضجيج، وعادت الوجوه التي تُخفي أكثر مما تُظهر، وعادت تلك المسافة الباردة بين الناس، حيث يقف كل واحدٍ منا حارسًا على نفسه، خائفًا، متوجسًا، مستعدًا-إن لزم الأمر-أن يؤذي قبل أن يُؤذَى.

عدتُ إلى عالمٍ نعرفه جيدًا…

عالمٍ لا يندهش من الظلم، بل يندهش من العدل.

لا يُصدم من القسوة، بل من الرحمة.

عالمٍ أصبح فيه الحلم تهمة، والطيبة سذاجة، والصدق مخاطرة.

عالم الكرامة فيه مكلفة، و العدل معقّد، والرحمة خيار لا ضرورة.

عاد كل شيء إلى مكانه:

التعب الذي لا يُكافأ،

القلق الذي لا يُفسَّر،

ذلك الشعور الخفي بأنك مهما فعلت… لن يكون كافيًا.

عدتُ إلى عالمٍ يُرهقك لتعيش،

ويُقنعك أن هذا طبيعي.

جلستُ طويلًا، أفكّر في تلك الرؤيا التي مرّت كنسمةٍ ثقيلة - نعم، ثقيلة، لأن الجمال حين يكون بعيدًا يصبح عبئًا.

جلستُ طويلًا أفكّر:

لماذا كان الحلم موجعًا إلى هذا الحد؟

لأنه لم يكن بعيدًا…

بل قريبًا جدًا، قريبًا لدرجة أنه يكشفنا.

يكشف كم مرة اخترنا الطريق الأسهل، لا الأصح.

كم مرة صمتنا حين كان الكلام واجبًا، وتكلمنا حين كان الصمت رحمة.

كم مرة شاركنا بصمتنا، أو بخوفنا، أو بأنانيتنا في صنع هذا الثقل الذي نحمله الآن ونشتكي منه.

وهنا، فهمتُ أخيرًا:

كذبة أبريل ليست مزحة عابرة نضحك عليها ليومٍ واحد، بل أن نسمح لأنفسنا، ليومٍ واحد، أن نتخيّل حياةً تليق بنا…

ثم نقبل، بهدوءٍ تام، أن نعيش عكسها.

أن نرى الكرامة ممكنة،

و العدل بسيطًا،

والخير سهلًا…

ثم نغلق أعيننا،

ونعود.

كذبة أبريل هي هذا الحلم…

هذا الحلم الذي نراه واضحًا، ممكنًا، قريبًا… ثم نقرر، بهدوءٍ تام، أن نعود كما كنّا.

هذا الحلم الذي أجمل ما فيه أنه إنساني،

وأقسى ما فيه… أنه كذلك!!

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان