اعترافات شوقي.. سامح

اعترافات شوقي.. سامحنسيم الهواري

الرأى7-3-2026 | 05:30

الاعتراف فضيلة قديمة، يعرفها الحكماء قبل القضاة، ويحبها القُرَّاء قبل الكُتّاب. فللاعتراف سحرٌ خاص لا يخطئه القارئ. ومجرد أن تقع العين على كلمة "اعترافات" في صدر مقال، يتوقف القارئ لحظةً كأنه أمسك بسرٍّ يتسلل من بين السطور.

و الاعتراف بطبيعته فعل إنساني نبيل؛ لأنه لحظة صدق نادرة يخلع فيها الإنسان دروعه، ويقف أمام نفسه عاريًا من التبريرات.

و الاعتراف شجاعة قبل أن يكون كلامًا، وصدق قبل أن يكون حكاية. وربما لهذا السبب ظل البشر منذ قرون ينجذبون إلى الاعترافات: اعترافات الملوك، واعترافات العشاق، واعترافات المذنبين، بل وحتى اعترافات المهزومين..

ف الاعتراف يملك قدرة غريبة على جذب الانتباه؛ وأعتقد أنني حين جعلت عنوان المقال متضمنا لكلمة "اعترافات"، قد نجحت في فتح نافذة صغيرة في جدار الصمت،

وأعتقد أيضا أنني قد جعلتك تميل قليلًا إلى الأمام، كأنك تسمع سرًا لا يُقال عادة. فالناس بطبيعتهم يحبون الاعترافات؛ لأنها تبدو أكثر صدقًا من الخطب، وأقل تزويقًا من المقالات المنمّقة.

أراك الآن في شوق للاطلاع على هذه الاعترافات، ولكنك من المؤكد قبل سماع الاعترافات تريد أن تعرف من هو صاحب هذه الاعترافات.. من هو "شوقي.. سامح".

قد يدور بخلدك أن شوقي.. سامح" سياسي بارز قرر فجأة أن يميط اللثام عن حقائق غائبة، أو شخص خارج على القانون ارتكب أفعالا صادمة وأدلى باعترافات هي من الخطورة بمكان.

وأنا أستطيع الآن أن أجعل "شوقي .. سامح" هذا سياسيا بارزا أو مجرما آبقا لأسوق على لسانه ما أريد سوقه من الحديث، وذلك لأنني أنا الذي يكتب المقال ، ومن أبسط حقوقي أن أعرض أفكاري بالطريقة التي أرى وبالوسيلة التي أحب.

وأظن أنني لن أعجز عن ذلك لأنني من حملة لواء اللغة العربية ومن القادرين على استغلالها بشتى الطرق لعرض الأفكار، فللفقير إلى الله كاتب هذه السطور العشرات من الكتب والمؤلفات في أدب اللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها.. تلك المؤلفات التي يتم الاستعانة بها - ولا أقول سرقتها- من العديد من الكُتَّاب والنقاد.

وعلى أية حال فإني سأدهشك حين تعلم أن "شوقي.. سامح" ليس شخصا واحدا.. بل هما شخصان!!

نعم.. شخصان، ولكنهما ليسا سياسيين بارزين.. وليسا مجرمين آبقين.. وليسا شخصين مشهورين!!

و"شوقي.. سامح" موجودان في الحياة بإسراف حتى يُخيَّل للناس أنهما غير موجودين.. فالشيء إذا أسرف في الوجود فهو غير موجود سواء وافقت الفلسفة على تلك المقولة أم أبت على حد تعبير الدكتور طه حسين.

ولكني لا أشك في أنك التقيت بـ "شوقي.. سامح" في يوم من أيام عمرك.. بل ربما تكون أنت نفسك "شوقي.. سامح" دون أن تدري، وربما بعد أن تقرأ هذا المقال تصبح على يقين أنك التقيت بـ "شوقي.. سامح" في يوم من أيام عمرك وربما تلتقيه في كل يوم من أيام عمرك .. إن لم تكن أنت نفسك "شوقي.. سامح"!!

وحتى لا أطيل عليك أكثر من ذلك فلتعلم يا صديقي أن "شوقي.. سامح" هما شخصان موجودان وليسا من وحي خيال كاتب تلك السطور، «شوقي» هو الجانب الحالم، و«سامح» هو الجانب المتسامح مع خيبات الحياة!!

هما شخصان مختلفان تمامًا، التقيا – كما يبدو – في محطة عمر واحدة، وقررا أن يعترفا معًا اعتراف مزدوج، بصوتين، لكنه في الحقيقة صوت جيل كامل.
يقول "شوقي.. سامح" أحدهما أو كلاهما:

نحن جيل وُلد في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، في توقيت تاريخي غريب: متأخر قليلًا عن زمن البطولات الكبرى، ومبكر قليلًا على زمن الفرص السريعة.

لم نكن ال جيل الذي كتب الشعارات الكبيرة، ولم نكن أيضًا ال جيل الذي حصد ثمارها. جئنا في المنتصف تمامًا؛ لا نستطيع أن ندّعي البطولة، ولا نملك كذلك رفاهية اتهام أنفسنا بالخيانة. عشنا طويلًا في هذه المنطقة الرمادية… وربما أطول مما ينبغي.

ونعترف أننا لم نحطم أحلامنا كما يفعل الأبطال في الروايات، ولم نحرقها في لحظة درامية كما يحدث في الأفلام..

كل ما فعلناه ببساطة أننا وضعنا أحلامنا على الرف..

رَف مرتفع قليلًا، لا يقع في مجال النظر دائمًا، لكنه موجود..

هناك فوق، حيث نضع الأشياء التي لا نملك الجرأة على التخلص منها، ولا القدرة في الوقت نفسه على استخدامها.

في البداية كان الحلم بسيطًا جدًا.. وظيفة محترمة، حياة مستقرة، بعض الطمأنينة في نهاية اليوم. لم نحلم بتغيير العالم، ولم نكن نطمح إلى بطولة خارقة. أردنا فقط مكانًا واضحًا داخل هذا العالم.. مجرد زاوية صغيرة نقف فيها دون أن نشعر أننا زائدون عن الحاجة..

لكننا اكتشفنا لاحقًا أن حتى هذه النسخة المتواضعة من الحلم كانت… طموحة أكثر مما ينبغي!!

كبرنا على وعود بدت في وقتها بديهية إلى حد السذاجة: التعليم طريق النجاح، و الاجتهاد لا يضيع، و الصبر مفتاح الفرج. صدّقنا ذلك كله ببراءة. درسنا كما ينبغي، واجتهدنا كما قيل لنا، وصبرنا طويلًا. فعلنا كل ما طُلب منا باعتباره الطريق الصحيح.

ثم اكتشفنا – بهدوء أيضًا – أن الطريق نفسه قد تغيّر..

التعليم لم يعد يضمن شيئًا، و الاجتهاد أصبح فضيلة أخلاقية أكثر منه وسيلة للنجاح، أما الصبر… فبقي صفة جميلة بلا وظيفة واضحة.

دخلنا الحياة مرتدين أفضل ما لدينا من التفاؤل، فاكتشفنا سريعًا أن التفاؤل لا يُحتسب خبرة، وأن الحماس الزائد قد يُفسَّر أحيانًا على أنه سذاجة. تعلمنا الدرس بسرعة، وبهدوء أيضًا: لا تكن متحمسًا أكثر من اللازم. الحياة – كما يبدو – لا تحب المبالغة.

نحن لم نُهزم في معركة كبيرة..

الحقيقة أننا لم نخض معركة واضحة أصلًا!! ما حدث فقط أننا أُنهكنا في مناوشات صغيرة متكررة. خيبات يومية غير درامية، لكنها كافية لتغيير مزاج الحياة كله:

فرصة ضاعت.. لأن التوقيت لم يكن مناسبًا..

وعد لم يُنفَّذ.. لأن الظروف تغيّرت..

جهد بُذل كاملًا.. ثم نُسي ببساطة..

حتى الخذلان جاء مهذبًا… بلا صراخ!!

ومع مرور الوقت حدث شيء أكثر غرابة: لم نعد نسأل "لماذا؟". ليس لأننا وجدنا الإجابة، بل لأن السؤال نفسه أصبح مرهقًا!!

صرنا نبتسم بسخرية خفيفة كلما سمعنا العبارة القديمة: "اصبر… القادم أفضل". نبتسم لا لأننا لا نؤمن بها، بل لأننا سمعناها منذ عشرين عامًا تقريبًا، ولا يزال «القادم» في الطريق!

ربما ضل العنوان!

ربما انشغل!

وربما – كما يهمس شوقي أحيانًا – قرر أن يزور جيلًا آخر!!

مع الوقت أصبحت السخرية لغتنا المفضلة. ليس لأنها أكثر متعة، بل لأنها أقل كلفة من الغضب. الغضب يحتاج طاقة، أما السخرية فهي درع خفيف نحمله في زحام الحياة اليومية. نضحك كثيرًا، ونطلق النكات على أنفسنا قبل أن يفعل الآخرون، ونتحدث عن أحلامنا القديمة كما لو كانت قصة طريفة حدثت لشخص آخر.

ونعترف أن أكبر مهارة تعلمها جيلنا لم تكن الطموح ولا الشجاعة، بل التكيّف..

التكيّف مع تغيير القواعد أثناء المباراة..

التكيّف مع الأبواب التي تُفتح أحيانًا ثم تُغلق بلا تفسير..

والتكيّف مع الحقيقة البسيطة التي تقول إن الحياة لا تكافئ دائمًا الأكثر اجتهادًا، بل الأكثر قدرة على الاستمرار..

التكيّف مهارة مفيدة للبقاء… لكنها ليست بالضرورة وصفة للحلم..

ومع ذلك، لسنا غاضبين كما قد يتوقع البعض. في كلامنا حزن خفيف، نعم، لكنه حزن عملي، مهذب، لا يرفع صوته. ربما لأننا تعبنا من الصراخ، وربما لأننا تعلمنا أن الحياة لا تتغير كثيرًا بالضجيج..

اليوم، حين ننظر إلى ذلك الرف القديم حيث ترقد أحلامنا الأولى، لا نشعر بالخجل. الأحلام ما زالت هناك، سليمة إلى حد بعيد، مغطاة فقط بطبقة خفيفة من الغبار. لم تنكسر، ولم تُدفن ..هي فقط… مؤجلة إلى أجل.. غير مسمى!!

نحن لسنا جيلًا فاشلًا كما يقال أحيانًا، ولسنا أيضًا ال جيل الناجح الذي وُعد به المعلمون في حصص التربية الوطنية. نحن فقط جيل فعل ما يستطيع فعله: تكيّف!!

وهذه ليست بطولة عظيمة، لكنها – في زمن مرتبك – مهارة كافية للبقاء..

أما الأحلام… فما زالت على الرف!!

ليس لأننا استسلمنا تمامًا، بل لأننا تعلمنا – متأخرين قليلًا – أن بعض الأحلام تحتاج إلى صمت طويل كي تبقى حيّة.

وإذا كان في هذا الاعتراف شيء يستحق الانتباه، فربما هو هذا فقط:

أن شوقي ليس سامح

لكن قصتنا… للأسف، قصة واحدة تقريبًا!!

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان