كنوز علماؤنا فى الخارج: العالِم المصرى الواحد بمليون جنيه!

كنوز علماؤنا فى الخارج: العالِم المصرى الواحد بمليون جنيه!علم مصر

كنوز أكتوبر12-1-2023 | 21:34

حاتم نصر فريد

مصر بخير.. هذا ما يؤكده كل وجه يمثل مصر فى الخارج.. فأبناء مصر.. علماؤها.. لا تنقصهم الخبرة.. ولا تنقصهم الكفاءة.. أينما ذهبوا فهم يحتلون الصفوف الأولى.. يسعون بإصرار إلى الفرصة، ومتى حصلوا عليها تفوقوا.. وابتكروا.. وأبدعوا..

عشرات من شباب مصر سافروا إلى الخارج قبل سنوات.. بدأوا الطريق من أوله.. كافحوا وصبروا فوق طريق شاق طويل.. أرضه صعوبات.. ترابه تحديات.. السير فوقه عزم وإصرار.. ولكن نهايته دائما كانت النجاح والمجد لهم ولمصر..

كيف بدأوا؟!.. وأيمهم الآن بعد سنوات الكفاح الشريف والمعاناة فى الغربة بعيدا عن أرض الوطن؟!.. وما هى آمالهم وأحلامهم لمصر؟!.. وماذا أعدوا لبناء مصر بناء حضاريا شامخا سنة 2000؟!..

القاهرة.. سويسرا.. كندا.. وبالعكس..!!
الدكتور محمد منصور.. يشغل منصب مدير معهد التحكم الآلى فى زيوريخ بسويسرا منذ سنة 1968، وإلى جانب ذلك فهو عميد كلية الكهرباء بجامعة زيوريخ للهندسة، برغم أن عمره لا يتجاوز الـ 45 عاما.

بعد حصوله على الماجستير فى الهندسة، من كلية هندسة الإسكندرية سنة 1961، اصطحب زوجته وأولاده الثلاثة فى بعثة دراسية إلى زيوريخ فى نهاية نفس السنة، وبرغم صعوبات اللغة وعادات المجتمع السويسرى، فقد استطاع بعد أقل من سنة، النجاح فى امتحان القبول للدكتوراه بتفوق، بعد ذلك وفى خلال سنة ونصف السنة حصل على الدكتوراه فى الهندسة، مع جائزة التفوق والميدالية الذهبية للجامعة، ثم عمل مدرسا بالجامعة، وفى نفس الوقت أجرى أبحاثا خاصة بالصناعة، انتقل إلى كندا بعد ذلك لمدة عام، كأستاذ مساعد بجامعة "الملكة" ثم عاد إلى سويسرا مرة أخرى بعد أن استدعته جامعة زيوريخ للهندسة كأستاذ ومدير معهد التحكم الآلى الذى درس فيه، وهذه الجامعة هى التى تخرج فيها وعمل بها أستاذا، العالم العظيم "ألبرت أينشتاين".

كانت مهمته الأساسية هى تطوير المعهد، حتى يمكن أن يجرى أحدث الأبحاث، فأدخل منذ البداية الآلات الحاسبة الإلكترونية فى التحكم الآلى.

ويقول د. محمد منصور: إن الطريق منذ البداية كان بالغ الصعوبة فالمبلغ الذى كنت أحصل عليه من البعثة لم يكن يكفى عائلة مكونة من خمسة أفراد، فاكتفينا بأهم الضروريات، وقضينا فترة قاسية جدا، تحملت فيها زوجتى والأولاد الكثير من العناء والضيق، إلى أن استطعت أن أكمل دراستى فى وقت مناسب..
أما الدكتور أحمد كامل رفاعى أستاذ مساعد إدارة الإنتاج وبحوث العمليات بجامعة شمال الينوى بالولايات المتحدة، فقد قطعت عنه مصاريف البعثات أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه بجامعة سيراكيوز الأمريكية سنة 1968، وفى ذلك الوقت كان يعول أسرة مكونة من زوجة وطفلة صغيرة، الزوجة لا تعمل، فلم يكن أمامه سبيل غير أن يبحث عن عمل، لسد احتياجات ومتطلبات الحياة ذاتها، فعمل جرسونا بفندوق هيلتون واشنطن، مقابل 10 دولارات فى اليوم.. فقط.

وفى أول يوم له فى هذا العمل الجديد الذى لم يكن فى الحسبان، كان يحمل الأطباق على صينية، فوقع منه طبق به بقايا بيض على أحد الزبائن، فثار رئيس الجرسونات بشكل غير لائق، وبرغم اعتذار رئيس شئون العاملين بالفندق – الذى كان يعرف ظروفه – على أسلوب رئيس الجرسونات معه، إلا أنه بشهامة وكبرياء المصرى الأصيل الذى يعتز بكرامته رفض أن يستمر فى هذا العمل وتركه برغم كل ظروفه، وذهب يبحث عن غيره..

ولم يكن ذلك العمل الآخر، سوى وظيفة متواضعة جدا، بجريدة واشنطن بوست، وهناك وجد معاملة طيبة، فاستمر بها عدة شهور بجانب دراسته التى كان يتفوق فيها باستمرار – برغم كل هذه الظروف – فحصل على منحة دراسية من جامعة سيراكيوز، إلى أن حصل على درجة الدكتوراه، وعمل مدرسا بنفس الجامعة، ثم انتقل إلى جامعة شمال الينوى كأستاذ مساعد بها منذ سنة 1970 وحتى الآن..

والشعب الأمريكى – كما يقول – لا يميل لليهود فعلا، وبرغم أن عدد المصريين والعرب يزداد فى أمريكا، إلا أن وسائل الدعاية والإعلام غير كافية، لذلك قام – وهو طالب – عندما كان رئيسا لرابطة الطلبة العرب بجامعة سيراكيوز، بعرض الأفلام وتنظيم الندوات والمحاضرات العامة عن مصر..

وقد أمكن بجهود ذاتية، التأثير على المسئولين بجامعة شمال الينوى وإقناعهم بضرورة وأهمية إدخال مادة "اللغة العربية" وتدريسها ضمن البرنامج الدراسى لطلاب الجامعة..

الحب على الطريقة المصرية

أما الدكتور نسيم حنا أستاذ إدارة الأعمال والتسويق بجامعة شمال الينوى بالولايات المتحدة، فقد استخدم لحل مشاكله طريقة ظريفة وممتعة جدا وهى.. الحب!!!
تخرج فى كلية تجارة القاهرة قسم إدارة الأعمال سنة 1958، وكان الأول على دفعته، وكأى طالب مصرى كانت معرفته باللغة الإنجليزية محدودة جدا، وفى نفس الوقت كانت ارتباطه بتراب الوطن وعاداته وقيمه لا حدود له، وبعد أن نال درجة الماجستير رشح فى بعثة للحصول على الدكتوراه من جامعة شمال الينوى بالولايات المتحدة، وبسرعة شديدة وجد نفسه فى نهاية سنة 1961 فى طائرة تحلق به بعيدا عن الأرض التى لم يفارقها أبدا من قبل..

وما هى إلا ساعات قليلة حتى وجد نفسه فى بلدة "اريانا" الموجودة بها جامعة الينوى، ولم يكن استقبال المدينة له استقبالا حارا، بل كان استقبالا باردا للغاية، فقد كان الجو فى ذلك الوقت شتاء قاسيا جدا، لم تعرفه بلادنا أبدا..

ساعتها فكر جديا – كما يقول – فى العودة إلى بلادنا الدافئة الجميلة على نفس الطائرة.

وبالإضافة إلى صعوبة الجو والغربة عن الوطن وضعف اللغة، كانت هناك منافسة شديدة من الشباب الأمريكى، كل ذلك جعل مهمته شاقة للغاية، واقتضى ذلك منه بذل جهد كبير فى الدراسة، إلى أن تمكن من اجتياز الفصل الدراسى الأول بنجاح، وهنا بدأ يستعيد ثقته بنفسه إلى حد أن درجاته فى أغلب المواد فى السنوات التالية كانت بتقدير امتياز كان الأول دائما، إلى أن حصل على الدكتوراه.

فى أثناء هذه الفترة الصعبة قابل فتاة أمريكية كانت مولعة ولعا شديدا بمصر، ويقول د. نسيم حنا: إن ما لفت انتباهى إليها، أنها كانت مهتمة اهتماما شديد ببلادنا وما يدور فيها، وحضارتنا القديمة، وقضايانا المعاصرة، وكانت فى ذلك الوقت تعد رسالة الماجستير فى الأدب الإنجليزى بنفس الجامعة التى كنت أدرس بها، وتوطدت روابط الصداقة بيننا، ثم اتفقنا على الزواج، وبعد أن حصلت على الدكتوراه سنة 1968، توجهت إلى مدينة شيكاغو، حيث كانت تعمل بعد تخرجها، وأتممنا عقد الزواج، ومعه انتهت أصعب مشاكلى..!
وتعتقد زوجته أن المصريين هم أكرم وألطف وأرق شعب فى العالم، ولذلك فهى دائمة الدعاية لمصر فى الخارج، وقد جمعت عددا من المصنوعات الشرقية الجميلة، وكذلك مجموعة من الشرائح الملونة عن حضارة مصر ونهضتها، وتقوم بعرض كل ذلك فى الجمعيات والنوادى والهيئات العامة، بالإضافة إلى العديد من المقالات فى الصحف الأمريكية عن رقى وتقدم مصر، وعن المرأة المصرية..


بعد حرب أكتوبر تغير شكل الحياة..

"الناس فى سويسرا يعملون بطريقة جادة جدا، لا يعرفون التكاسل أو التهاون، والأجنبى الذى يذهب إلى هناك لابد أن يكون على نفس المستوى من الأداء الجاد والشاق، وهذا لا يتوافر دائما، ولذلك فالشعب السويسرى لا يميل للعمل أو حتى الإقامة مع الأجانب بصفة عامة، والعرب بصفة خاصة..
وقد كان هذا الشعور يأخذ شكلا عدائيا شديدا، وكانت معاملتهم لنا سيئة جدا، وتعاطفهم مع اليهود واضحا للغاية، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973، تغير ذلك الاتجاه تماما..

هذا الموقف الذى حدث بعد حرب أكتوبر لم يكن ممكنا أبدا أن يحدث قبل هذه الحرب المجيدة التى غيرت كل شىء فى حياتنا حتى نظرة الناس وطريقة تخاطبهم معنا..

أما هذه الكلمات فهى للدكتور مكرم عبد الرحمن خليل، خبير رياضيات التأمين ورئيس قسم الرياضة والأبحاث بشركة التأمين على الحياة بزيوريخ، الذى سافر إلى سويسرا فى نهاية سنة 1958 للحصول على الدكتوراه فى رياضة التأمين من المعهد الهندسى الفيدرالى بزيوريخ.

وأثناء إعداده للدكتوراه عمل فى شركات التأمين لتوفير احتياجات المعيشة لأسرته الصغيرة المكونة من زوجة وثلاثة أولاد، فالحياة – كما يقول – ليست ميسرة دائما فى سويسرا، بل هناك متاعب كثيرة، كانت بجانب نظرة السويسريين لنا قبل حرب أكتوبر 1973 تتمثل فى اختلاف اللغة والعادات والتقاليد بالإضافة إلى نقص الموارد والإمكانات المادية، الأمر الذى جعل الحياة بالغة الصعوبة، وتحملوا فيها الكثير من الضيق والعناء..

والدكتور مكرم عبد الرحمن خليل يرأس تحرير مجلة "المنظور" وهى مجلة علمية هندسية تصدر باللغة العربية وبها جزء باللغة الإنجليزية ويشترك معه فى إصدارها السكرتير العام لنقابة المهندسين السويسريين ورئيس تحرير مجلة المهندسين وغيرهما..

كما أنه قدم فى مؤتمر مصر سنة 2000 الأول الذى عقد منذ حوالى عامين حديثا متكاملا من جميع جوانبه لجميع أنواع التأمينات الاجتماعية بحيث يغطى كل أفراد وقطاعات الشعب، وهذا المشروع – بالطبع – مازال حبرا على ورق.

كان يتصور أن إيجاد مكان بجامعة بالخارج تقدم الدراسة المتخصصة التى يهتم بها هو أصعب الأشياء.. وبعد أن أرسل أكثر من ستين خطابا إلى مختلف جامعات العالم، وحصل على منحة دراسية من جامعة تكساس الأمريكية فى الهندسة الحيوية، وجد د. طارق خليل الأستاذ ب جامعة ميامى أن هناك صعوبات أخرى أشد من ذلك بكثير..

فتكاليف الحياة مرتفعة للغاية ولابد من عمل يمكنه من مواجهة تكاليف المعيشة وشراء الكتب والأدوات اللازمة، وكذلك دفع رسوم التأمين الصحى وعدد من التأمينات الأخرى، حتى السيارة التى نعتبرها من وسائل الرفاهية والأبهة، تعتبر هناك ضرورية جدا، بل من أهم الضروريات، إذا عرفنا أن المواصلات العامة فى البلاد الصغيرة مثل مدينة "لبوك" بولاية تكساس التى كان يدرس بها، تنعدم تماما، وتصبح السيارات الخاصة هى الوسيلة الوحيدة للانتقال بين أطراف المدينة الشاسعة..

فأقام بالمدينة الجامعية، وعمل بعض الوقت – بجانب دراسته – فى المساعدة فى التدريس وفى الأعمال الخاصة بمعامل الجامعة حتى يمكن توفير مبالغ ضئيلة كانت تكفى للضروريات فقط، وهذه الفترة – كما يقول – كانت من أصعب الفترات التى مرت به، بسبب صعوبة الجمع بين العمل والدراسة، مع الاحتفاظ بالتقديرات العالية حتى يمكنه مواصلة الاحتفاظ بهذه المنحة الدراسية، فضلا عن اختلاف اللغة وطريقة التدريس، وطبيعة الحياة داخل المجتمع الأمريكى بصفة عامة، وبرغم كل ذلك كان – أيضا – الأول دائما..

والدكتور طارق خليل يشغل حاليا درجة الأستاذية بكليتى الهندسة والطب بجامعة ميامى، فهو أستاذ الهندسة الصناعية والحيوية بكلية الهندسة، وفى نفس الوقت أستاذ الصحة العامة والوقائية بكلية الطب، وبرغم ذلك فعمره لا يتجاوز الـ35 سنة..

ويعتقد د. طارق خليل أن الاهتمام بكفاءة الفرد وتحسين أدائه إلى جانب ادخال التكنولوجيا الحديثة، والمعرفة بأسس الإدارة، فإننا يمكننا الوصول إلى أهدافنا فى التنمية، فأساس العلم الحديث الآن – فى الدراسة والتطبيق – يعتمد على إزالة الفواصل بين العلوم المختلفة ليتم التكامل بينها جميعا..
وأخيرا..

فهذه النماذج المشرفة من شباب مصر فى الخارج ليست حالات فردية شاذة، وإنما هى "عينة عشوائية" – إذا جاز أن نستخدم هذا التعبير الإحصائى – ل ظاهرة عاة تميز الإنسان المصرى عندما تتاح له الفرصة أينما ذهب تحت الشمس..

وليس ذلك غريبا أو جديدا..

أليس ذلك الإنسان هو ذاته صانع أعظم حضارة عرفها الإنسان..؟!

تم النشر فى السنة الأولى – العدد السابع والثلاثون – 10 يوليو (تموز) 1977 – 23 رجب 1397

أضف تعليق