حتى تكون القناة أوسع وأعمق

حتى تكون القناة أوسع وأعمققناة السويس

كنوز أكتوبر29-11-2022 | 22:00

دار المعارف

لن يكون اللون الأصفر هو السائد على خريطة صحراء مصر بعد الآن.. فاللون الأخضر سيصل سريعا.. إنها حرب ضارية بين لونين.. كلاهما بفعل الطبيعة، ولكننا سنقف بجانب الأخضر فى حرب ضارية حتى ينتصر وعدتنا فى هذه الحرب أن لدينا 55 مليون متر مكعب من التربة الممتازة التى نأخذها من قاع القناة بسبب التوسعات، هذه الكمية لو اختلطت بالرمال الصحراوية لحولتها إلى أرض زراعية خصبة..

** ولنبدأ معا تلك القصة ونعرف كيف نضرب عصفورين أو عدة عصافير بحجر واحد!!..

وحجرنا هنا ببساطة هو مشروع توسيع وتعميق القناة.. إنه مشروع ضخم وسوف يتضاعف فيه حجم القناة وقوتها الإنتاجية ودخلها فى خلال 4 سنوات تبدأ من عام 76، حيث بداية المشروع وحتى عام 80 وهذه المدة تمثل المرحلة الأولى ويتم فيها توسيع القطاع المائى إلى 3200 متر مسطح، بدلا من 1800 متر ويزيد عرضها الملاحى من 99 مترا إلى 160 مترا على أن تمر بها السفن الكبيرة بحمولة 150 ألف طن، بدلا من 70 ألف طن حاليا وبغاطس قدره 53 قدما، بدلا من 38 قدما، وذلك يعنى أن بإمكان 95% من أساطيل العالم وسفنه الضخمة أن تمر بها وخصوصا ناقلات البترول بكامل حمولتها فى طريقها إلى أوروبا، وتسلك حاليا طريق الرجاء الصالح بدلا من القناة.. وبهذا سوف يرتفع دخل القناة من 400 مليون دولار إلى حوالى 1000 مليون دولار فى السنة.

والمشروع كما يقول المهندس حسنى عبد الجليل، رئيس قسم المشروعات ببور توفيق، خطواته قليلة، ولكنها ضخمة جدا، وهو يتم على خطوتين أولاهما عملية التوسيع ثم تليها عملية التعميق.. وقد بدأت مرحلة التوسيع بإزالة خط بارليف وجبال الرمال الموجودة ووصلت الإزالة إلى عمق 120 مترا فى اتجاه الشرق، واستلزم هذا رفع كميات ضخمة جدا من الأتربة وصلت فى القطاع الجنوبى للقناة إلى 21 مليون متر مكعب وعلى مستوى القناة كلها إلى حوالى 82 مليون متر مكعب، ويسمى ذلك بالحفر على الناشف.. وبعد ذلك تأتى خطوة أخرى وهى عمل شواطئ جديدة فى الناحية الشرقية للقناة عند المواقع المعينة بعد انتهاء المشروع، ويسمى ذلك "بالتكسية". وتبدأ بدق ستائر معدنية من الصلب بأعماق، تتراوح بين 3 و6 أمتار تحت منسوب الماء حتى تمنع تسرب الماء خلال جدران القناة وحتى لا تسبب الانهيار للشواطئ، وبعد ذلك يغطى الشاطئ الجديد – المحفور بميل معين – بقطع من الحجار ذات صلابة شديدة جلبت من جبل عتاقة بالسويس لمنع عملية انهيار الشاطئ نتيجة لقوة الأمواج التى تصطدم به.. ثم تبنى بعد ذلك بلوكات خرسانية ضخمة يصل وزن الواحدة منها إلى طنين.

وبعد الانتهاء من بناء الشواطئ الجديدة يتم هدم القديمة، وتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى وهى عملية التعميق وتقوم بها معدات ضخمة جدا تسمى "الكراكات" تعوم فوق سطح الماء وتصل قوتها إلى 2000 حصان ويعمل عليها 1200 عامل ويصل ثمن الواحدة منها إلى 7 ملايين دولار.. وتلك الكراكات تقوم بتكسير التربة "ومزولتها" تحت سطح الماء بواسطة حفارات ضخمة يصل وزن الواحدة منها إلى 7 أطنان وثمنها إلى 30 ألف دولار، ثم تقوم بشفطها ومعها الماء بواسطة طلمبات ضخمة تصل قوتها إلى حوالى 8000 حصان وتطردها إلى الخلف خلال خط من المواسير يصل طوله إلى عدة كيلومترات يعوم على الماء بواسطة عوامات أو يمتد عبر القناة قريبا من القاع..

ويتم التخلص من تلك التربة على الشاطئ الشرقى للقناة، حيث تجهز أماكن خاصة تسمى بأحواض الترسيب تصب فيها الأتربة المكركة والماء وباختلاط التربة الرملية الصحراوية فى تلك المنطقة مع التربة الطينية المأخوذة من قاع القناة سوف تتحسن خواصها وتصبح صالحة للزراعة وستصل كمية التربة المأخوذة من قاع القناة إلى حوالى 55 مليون متر مكعب.. وفى المنطقة الجنوبية للقناة يتم التخلص من نواتج الحفر فى الناحية الغربية بجانب مدينة السويس فى منطقة الجون.. وهى بها مياه ضحلة ليست لها فائدة ملاحية أو سمكية وبعد الانتهاء من عمليات الحفر يتوافر فى تلك المنطقة حوالى 10 ملايين متر مسطح من التربة الجيدة وتتحول منطقة الجون إلى أرض زراعية تصل إلى عدة آلاف من الأفدنة بالإضافة إلى إمكانية إقامة مناطق سكنية عليها.. وتلك تعتبر واحدة من الفوائد الجانبية للمشروع.. وبانتهاء خطوة التكريك أو الحفر بالكراكات فى أية منطقة فإنها تكون قد عمقت وانتهى العمل بها تقريبا ولقد تم ذلك بنسبة 25% فى القطاع الجنوبى من القناة.

ويقول المهندس محمد مصطفى، المشرف على المشروع فى القطاع الجنوبى من القناة.. إن المشروع الجديد ليس توسيعا وتعميقا فقط بل هناك جزء آخر الغرض منه عمل تفريعات جديدة فى القناة.. ف القناة يمر بها يوميا ثلاث قوافل من السفن واحدة من الجنوب واثنان من الشمال وتوجد فى القناة ثلاث تفريعات عند مناطق بورسعيد وكبريت والبلاح وتلك التفريعات تسهل حركة المرور فى القناة.. فالقافلة تقف فى إحدى التفريعات حتى تمر الأخرى فى مجرى القناة ثم تمر بعدها وهكذا، أى إن تلك التفريعات تعتبر كجراج تقف فيه القافلة لكى تسمح لأخرى بالمرور، وفى المشروع الجديد سوف تنشأ عدة تفريعات واحدة عند منطقة رأس العش وتستمر حتى تقابل البحر الأبيض شرق بور فؤاد وتلك مخصصة للسفن المحملة بالبترول حتى تبعد عن الحركة الملاحية العادية لميناء بورسعيد..

أما فى منطقة الدفرسوار وحتى شمال الإسماعيلية، فإننا نجد أن مجرى القناة موجود على شكل قوس مكون من مجموعة أقواس.

وقد وجه الرئيس أنور السادات أثناء تفقده لخطوات المشروع أنظار العاملين فى هيئة القناة إلى عمل تفريعة بتلك المنطقة، بحيث تصل طرفى القوس بمجرى مائى مستقيم حتى يزيد من كفاءة القناة فى تلك المنطقة ويسهل مرور السفن، بالإضافة إلى أنه سوف تتكون فى تلك المنطقة جزيرة من الأرض يمكن استغلالها فى المشروعات السياحية أو فى المناطق الحرة.. وبعد الانتهاء من إنشاء تلك التفريعات سيصل عددها الكلى فى القناة إلى 6 تفريعات، ويصل طولها مجتمعة إلى حوالى 70 كيلو مترا؛ أى نصف طول القناة تقريبا.. وفى المستقبل يمكن أن تصل تلك التفريعات بعضها ببعض، وبذلك ستصبح لدينا قناة أخرى بجانب الأولى تفصلهما جزيرة طويلة من الأرض ويصبح المرور فى القناة فى اتجاهين، بدلا من واحد حاليا.. ومعنى ذلك أن طاقة القناة سوف تتضاعف تماما ويتضاعف معها دخلها عدة مرات.

ومشروع توسيع وتعميق القناة اقتصادى 100%.. وتكاليفه تصل إلى حوالى 500 مليون دولار وحوالى 120 مليون جنيه مصرى يضاف إليها ثمن المعدات الجديدة التى استوردتها الهيئة بحوالى 21 مليون جنيه مصرى قيمة ثلاث حفارات كبيرة، والمهمات المستخدمة فى بناء التكسيات..

وهذه هى التكاليف أما الإيراد.. فبعد 3 سنوات من الآن أى بعد الانتهاء من المشروع سوف يصل دخل القناة إلى حوالى 1000 مليون دولار، وذلك بالإضافة إلى الفوائد الجانبية للمشروع من إضافة أراض زراعية جديدة ومشاريع سياحية.. أى إنه يمكن تغطية تكاليف المشروع كلها فى خلال سنة واحدة فقط من تشغيل القناة بعد الانتهاء منه.. وإذا عرفنا أن بعض القروض المستخدمة فى ذلك المشروع لها فترة سماح حوالى 7 سنوات وتسدد على فترة 25 سنة قادمة، تتبين لنا مدى اقتصادية المشروع ومدى الفائدة المادية التى ستعود منه على مصر.

تم النشر فى السنة الأولى الثانى والثلاثون – 5 يونيو (حزيران) 1977 – 18 جمادى الآخرة 1397

أضف تعليق