من الأدب التشيكي.. النهيق ليس زئيرًا!!

من الأدب التشيكي.. النهيق ليس زئيرًا!!نسيم الهواري

الرأى10-5-2026 | 22:15

كانت الغابة تفخر بأنها أكثر غابات العالم تحضّرًا.

ولهذا علّقت إدارة الغابة لافتاتٍ كثيرة تؤكد ذلك، فالإدارات الفاشلة - مثل العجائز المتصابية - تضع مساحيق أكثر كلما اقترب وجهها من الانهيار.

على مداخل الطرق الطينية وُضعت شعارات براقة عن العدالة و المساواة والتعايش بين الكائنات، بينما كانت الذئاب تلتهم الضعفاء في الظلام تحت صورٍ ضخمة كتب عليها: "الأمن الغذائي حق للجميع".

وكان الهواء نفسه يبدو موظفًا حكوميًا عجوزًا؛ ثقيلًا، بطيئًا، تفوح منه رائحة أوراقٍ مبتلة وحبرٍ رخيص وأحلامٍ مات أصحابها في طوابير الانتظار.

أما الأشجار، فقد وقفت متلاصقة كجمهورٍ مذعور في جنازة وطنية، طويلةً ومتعفنة، تمد جذوعها نحو السماء كما لو أنها تشتكي لله من سوء الإدارة.

في تلك الغابة عاش حمارٌ رمادي ضخم، من النوع الذي تمنحه الحياة ظهرًا قويًا كي يحمل أوزار الآخرين فوقه حتى آخر العمر.

كان طيبًا على نحوٍ يدعو للشفقة، يعمل بصمتٍ يشبه صمت الطواحين القديمة، ويقضي نهاره في جرّ العربات الثقيلة ونقل الحطب وأكياس القمح، حتى صار جسده كله يبدو كخريطةٍ للتعب.

كان يسكن إسطبلًا باردًا عند الحافة الشمالية، حيث الطين يتراكم كوعود الحكومات، وحيث الريح تعوي ليلًا كأرملةٍ طُردت من بيتها.

وقد أمضى عمره مؤمنًا بأن الأشياء، رغم فسادها، ما تزال تحتفظ بأسمائها الصحيحة؛

ف الحمار حمار، و القرد قرد، و العدالة - ولو نائمة - لا بد أن تستيقظ يومًا.

وكان ذلك أغبى ما آمن به في حياته.

اكتشف بالمصادفة، في صباحٍ رمادي يشبه وجه موظفٍ على وشك التقاعد، أن حصصه الشتوية تُصرف منذ أعوام لقرد!!

ولأن الكوارث الحقيقية لا تأتي وهي تصرخ، بل تدخل من الباب مرتديةً نظارةً وتحمل ملفًا أزرق، فقد عرف الأمر بهدوءٍ إداري قاتل.

القرد، وفق السجلات الرسمية، حمارٌ منتج ومجتهد، يستحق الشعير والإسطبل والتدفئة الشتوية.

أما الحمار الحقيقي، ذلك الجسد المنهك الذي انحنى ظهره من خدمة الغابة، فكان - حسب الوثائق - قردًا غير منتج، كثير الشرود، محدود الفائدة.

وفي تلك الغابة لم تكن القرود مجرد كائنات؛ كانت طبقة كاملة.

تقفز في الممرات، تلوّح بالأوراق، تقلّد أصوات الكبار، وتضحك في الوقت المناسب، حتى صار الضحك نفسه مهارةً وظيفية معترفًا بها.

وكانت الإدارة تحبهم؛ لأنهم لا يحملون شيئًا فوق ظهورهم سوى ألسنتهم.

أما الحمار، فقد حمل الغابة كلها فوق ظهره سنواتٍ طويلة، ثم اكتشف متأخرًا أن الغابات لا تكافئ من يحملها… بل من يصفق لها.
في البداية ضحك.

ضحك بتلك الطريقة التي يضحك بها من يسمع حكمًا بالإعدام ويظنه سوء تفاهم إداري.

لكن الغابة لم تكن تمزح.

كانت الأوراق مرتبة بعناية، والأختام واضحة، والتواقيع كثيرة إلى حدّ أن الحقيقة نفسها بدت فجّة وغير قانونية.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ رحلته بين المؤسسات.

دخل مباني الإدارة التي تشبه توابيت ضخمة ذات نوافذ.

ممرات طويلة كأمعاء حيوان نافق، ومكاتب خشبية تنبعث منها رائحة العفن والسلطة القديمة، وموظفون بوجوهٍ شاحبة تبدو كأنها صُنعت من بقايا الشموع.

وفي كل مكان، كانت القرود تتصدر المشهد؛

تتدلى من النوافذ كزينة رسمية، تصرخ، تقلّد، تلوّح، وتعيد إنتاج كل شيء بصوتٍ أعلى وعمقٍ أقل.

كان النظام يحب الضجيج؛ لأن الضجيج يغطي على الفراغ.

شيئًا فشيئًا، بدأ الحمار يفقد ثقته بنفسه.

صار ينظر إلى حوافره كما ينظر متهمٌ إلى دليلٍ مزيف.

ويشعر أن تعبه الطويل مجرد خطأ إداري لم يُصحح بعد.

فالسلطة الظالمة لا تحتاج إلى محو الحقيقة؛

يكفي أن تُعيد تسميتها حتى تتعب من الدفاع عن نفسها.

وفي الغابة، استمرت الحياة بسلاسة مثيرة للغثيان.

العصافير تغني فوق مقابر العدالة، والثعالب تنشر مقالات عن الشفافية، والخنازير البرية تفتتح مهرجان الطهارة السنوي تحت تصفيق الضباع.

أما القرود، فكانت تنال حصتها من كل شيء:

الغذاء، المناصب، التصفيق، وحتى الغضب الرسمي، لأنهم يجيدون تقليد الغضب أيضًا.

حتى الوحل بدا سعيدًا بنفسه.

الأمل الأخير له كان الذهاب إلى المحكمة .. بيت العدالة.. يعرض قضيته ويحصل على حقه المسلوب.

المحكمة العليا، كانت مبنى ضخمًا يشبه معبدًا شيّده الخوف لعبادة نفسه.

درجاته العالية صُممت كي يصعد إليها المظلوم منهكًا قبل أن يبدأ الدفاع عن حقه.

وحين دخل الحمار القاعة الكبرى، أصابه ذلك النوع من الذهول الذي يصيب المرء حين يرى كابوسه واقفًا أمامه يرتدي ربطة عنق.

توقّف في منتصف القاعة.

ثم حدّق طويلًا في هيئة المحكمة.

كانت المقاعد المرتفعة مشغولة بحمير ضخمة.. ترتدي جلود الأسود!!

جلود حقيقية، لماعة، متقنة الخياطة، تتدلى فوق أجسادٍ يعرفها جيدًا.

آذان طويلة يحاول أصحابها إخفاءها تحت الياقات، وعيون قلقة تلبس نظرات مفترسة بالتدريب، ونهيق مكتوم يُدفع إلى الخارج على هيئة قرارات قضائية.

في تلك اللحظة شعر الحمار برعبٍ بارد.

ليس لأن المحكمة ظالمة، بل لأنها تشبهه.

لقد رأى هناك ما كان يمكن أن يصبحه لو أنه تعلّم مبكرًا كيف يكذب، وكيف يهزّ رأسه للسلطة، وكيف يرتدي جلدًا لا يخصه دون أن يشعر بالخجل.

وكانت تلك هي المرة الأولى التي يدرك فيها أن أخطر ما في الزيف… أنه يبدأ بالتنكر، ثم ينتهي بالتصديق.

لم تستغرق المحاكمة طويلًا.

فالحقيقة، حين تواجه مؤسسة كاملة، تكون كدجاجةٍ مريضة أمام قطار شحن.

الملفات قالت إن القرد حمار.

والأختام أكدت ذلك.

والقانون - ذلك الوحش الأعمى الذي يأكل من يطعمه - انحنى احترامًا للأوراق.

أما الحمار الحقيقي، فقد وقف هناك بجسده الكامل، كدليلٍ حيٍّ لم ينجح في استيفاء الشروط الإدارية.

ولأول مرة شعر أن وجوده نفسه غير مُعترف به.

كان يمكنه أن يختفي، أن يتلاشى، أن يسقط ميتًا تحت إحدى العربات التي جرّها عمرًا كاملًا، ولن يتغير شيء في السجلات سوى سطر صغير يُضاف بالحبر الأحمر.

انتهت الجلسة.

وفي الخارج، هبط المطر فوق الغابة كأنه بصاق السماء.

الجرائد احتفت بانتصار العدالة، وكتبت أن المحكمة "أغلقت باب الفوضى التصنيفية"، بينما كانت الحيوانات تصفق بارتياح العبيد كلما أتقنت السلاسل تقييدهم.

أما الحمار، فقد سار وحده بين الأشجار.

وكان الليل يهبط ببطءٍ جنائزي، كأن العالم كله يُطوى داخل كفنٍ رطب.

وحين سأله مخلوقٌ صغير، ببراءة الأغبياء الذين لم يجرّبوا المحاكم بعد، لماذا لن يستأنف الحكم… توقف طويلًا..

ثم نظر نحو مبنى المحكمة، حيث كانت الحمير تخرج متباهية بجلود الأسود فوق ظهورها، محاطةً بالحراس والكاميرات والتصفيق، بينما كانت القرود تتقافز حولها كجوقة مهرجين تحتفل بانتصار السيرك على الحقيقة.

ابتسم ابتسامةً صغيرة، حزينة كنافذة سجن في ليلة ممطرة.

وقال:
- لأنني تعبت من محاولة إقناع القطيع… أن النهيق ليس زئيرًا!!

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان