الشباب.. والفن.. وليالى رمضان

الشباب.. والفن.. وليالى رمضانليالى رمضان

كنوز أكتوبر5-4-2023 | 15:02

يا كل الكتاب تعالوا.. نحن نبحث عن مؤلف.. نحن نبحث عن مؤلف.. نحن نبحث عن حقيقة.. والحقيقة الشجر.. الحقيقة فى القمر.. الحقيقة النجوم.. الحقيقة فى الحجر.. الحقيقة كالقدر.. الحقيقة أن تقول.. مصر أرض تزدهر.
فى محاولة لتتبع خطوات الشباب وسهراته فى ليالى الشهر المبارك.. كانت لنا جولة فى أحياء القاهرة.. رافقنا فيها الشباب فى المسرح.. فى المكتبة.. فى الندوة الثقافية.. وحتى فى لحظات استرخائه على مقاهى حى الحسين وباقى الأحياء الشعبية.

كانت بداية الجولة بمقهى استرا بميدان التحرير.. فى هذا المقهى أقيم مسرح الشباب الذى يقدم عرضه يوم الخميس من كل أسبوع ويستمر العرض من العاشرة مساء إلى الثانية صباحا، الشكل المسرحى بطبيعة الحال غير مطلوب فى مثل هذه الأماكن غير المجهزة ولكن الكلمة هى التى تلعب الدور الأساسى فى هذه الأمسيات.. الكلمة بكل أنواعها.. سواء كانت شعرا أم نثرا أم حوارا لمشهد مسرحى أو أغنية.

خشبة المسرح عبارة عن قطعة مربعة من الخشب وضعت فى أحد أركان المقهى.. عليها تقدم عناوين الفقرات فقط ولكن قاعة المقهى كلها تشتغل فى تقديم العروض، الشباب يلتف حول مقدم البرامج.. ليست هناك حركة مسرحية.. وليس هناك ديكور.. الممثلون يؤدون أدوارهم وهم فى مقاعدهم.. ومع ذلك الكل مشدود يتابع باهتمام فقرات الأمسية.. ولكن ماذا يقدم الشباب فى الأمسية..؟ بتلخيص شديد.. يقدمون كل ما يجيش فى صدورهم ويشعرون أنهم يفتقدونه فى نصوصهم المسرحية.. أشعارهم.. أغانيهم.. تعكس بشكل واضح مشاكلهم وحاجاتهم إلى قول كلمة صادقة نابعة من القلب.
احتجاج
وأسأل عادل درويش المشرف الفنى للفرقة.. هل يعتبر قيام مجموعات من الشباب بتقديم مسرح خاص لهم بمثابة عدم اقتناع منهم بما يقدم على المسارح العامة.. يقول مشرف الفرقة: للشباب دائما ما يريد أن يقوله أو يحب أن يسمعه وعندما لا يجد ذلك متوافرا له من خلال الوسائل الفنية العامة يلجأ هو إلى ذلك ولما كانت الإمكانيات دائما قليلة فى أيدى الشباب نجده يستغنى عنها تماما، ولذلك نشأت أفكار كثيرة مثل مسرح القهوة أو مسرح الشارع.. إلخ.

ويضيف قائلا إن فكرة مسرح القهوة فكرة ليست جديدة تماما ولكنها ظهرت من سنوات قليلة، واختفت فى بعض الأماكن وظلت التجربة باقية فى أماكن أخرى.. وهذه الأفكار لا تحتاج فى تنفيذها إمكانيات على الإطلاق ولكنها تحتاج إلى إيمان الشباب بالتجربة وعمقها.. ذلك إلى جانب أهداف أخرى تحققها مثل هذه المسارح البسيطة ذلك أنها تحول مكانا كمقهى لا يدعو إلا إلى الكسل والاسترخاء إلى منتدى ثقافى وفنى.

ولكن كيف يتم اختيار العناصر الشابة التى تقوم بإحياء هذه الأمسيات..؟


تعلن الفرقة أنها تستقبل الشباب ذوى الموهبة فى أيام معينة من أيام الأسبوع وعندما يتقدم الشباب يقوم كل مسئول من فرع من الفروع الفنية بعمل اختبار بسيط لموهبة المتقدم ثم يضم إلى الفرقة.. وأجمل ما فى هذه الأمسيات النقد الذاتى الذى يتم فى نهاية كل أمسية.. يقوم المتفرجون بنقد وتقييم كل ما قدم من فقرات ولا شك أن الشباب مستفيد جدا من هذا النقد الفورى النابع من أذواق المتفرجين وإحساسهم.

حكاية الإنسان


والعمل الذى يقدمه الشباب فى مسرح القهوة.. عمل شبابى مائة فى المائة.. فالتأليف والتلحين والغناء والأشعار كلها من أعمال الشباب الهواة وأهم ما يميزها هو الولاء التام.. والحب المنقطع النظير لمصر.. ليست هناك أعمال سياسية.. تتشدق بالألفاظ وتحشو بها سمع المتفرج ولكنها أعمال تحكى قصة الإنسان المصرى وكفاحه وصموده عبر التاريخ فى مسرحية من فصل واحد بعنوان "عصابة موسى" كتبها الشاعر والمشرف الفنى للفرقة عادل درويش بعد ثورة التصحيح مباشرة وقدمت فى المسرح أكثر من مرة.

هذه المسرحية دعوة مفتوحة لإعطاء الثقة الكاملة للشباب واستغلال طاقته وقدراته ومواهبه فى بناء مصر، ف الشباب يحمل من النقاء والطهر وشرف المقصد ما يعينه على ذلك العمل الضخم، ذلك إلى جانب حرارة الإيمان التى فى داخله.

من بين كلمات الحوار فى المسرحية.. كلمات تقول:
النهاردة وفى سنة 77 بعد 1900
بعد ما زرعنا القمر
بعد ما عرفنا الخفية.
بعد الحجارة.. بعد الشطارة.
بعد ما كسبنا الخسارة
الحقونا وامسكوا من الزمام.
البلد مركب.. والدفة إيد قبطان.
سايرة بتمشى بتوصل لبر الأمان.
البلد مركب وفيها من الشبان يسدوا عين الشمس.. يقلبوا الرمل غيطان يشدوا الشجر من جذوره.. مهما كان نعسان.

من بين المقاهى التى فتحت أبوابها للشباب ليقدموا عليها نشاطهم قهوة بلودان بالعباسية وقهوة السلطان بإمبابة.. ولكن الطريف ما حدث بمدينة الإسكندرية، فهناك تحول أحد المقاهى سيئة السمعة إلى مركز من أنشط المراكز الثقافية.. فى البداية كانوا يطلقون على ذلك المقهى الخمارة، حيث تعود عدد من رواده على احتساء الخمر داخله.. صحيح أن الخمر لا يقدم بطريقة رسمية ولكن بطريقة فردية وخفية.. وحول الشباب قهوة جابر بالأزاريطة بالاتفاق مع صاحبها إلى محراب
تقام فيه شعائر الفن والثقافة والأدب وتتردد فيه أغانى سيد درويش وأشعار بيرم التونسى وألحان زكريا أحمد.

وفى الإسكندرية أيضا ظهر نوع جديد من مسارح الشباب ربما فكرة مبتكرة وهى الأولى من نوعها فى العالم، فقد لاحظ الشباب أن حركة المواصلات ما بين خط محطة الرمل وفيكتوريا تهدأ تماما فى الفترة ما بين الساعة التاسعة وحتى موعد السحور لذلك تفتق ذهنهم عن فكرة عمل مسرح أطلقوا عليه اسم مسرح السفر أو مسرح الترام.. وقام الشباب بتقديم عروضهم فى العربة العليا من الترام.. وسط الركاب.. وكانت العروض أيضا شعرا وموسيقى وغناء جماعيا.. إلخ.. والتجربة بدأت منذ شهر تقريبا ورغم ذلك فالمحصل لم يتهاون مع الشباب فى دفع قيمة التذكرة ولو مرة واحدة.

طبعة للشباب

هل هناك علاقة بين شهر رمضان والقراءة والاطلاع؟.. من خلال جولتنا وفى حى الحسين وفى داخل السرادق الضخم الذى أقامته وزارة الثقافة والذى يضم آلاف الكتب التى تفرزها المطابع ودور النشر كان هناك شىء ملفت للنظر.. ذلك الزحام الشديد حول موائد الثقافة وقوائم الكتب.. ولا أعرف هل القراءة مستحبة فى رمضان على أساس أنها تسلية للصيام أم هو التخفيض النسبى الذى يعلن فى ذلك الشهر هو الدافع إلى الشراء؟. تقدمت إلى أحد الشبان وسألته عن ذلك..

أجاب أن كل تلك الأسباب مجتمعة هى التى تدعو الشباب للقراءة.. وخاصة تخفيض أسعار الكتب.. فالعلاقة بين القراءة وسعر الكتاب علاقة عكسية فكلما انخفض سعر الكتاب أقبل الشباب على شراء الكتب وقراءتها.. وهناك كثير مثلى لا يحبون القراءة فقط بقدر ما يحبون اقتناء الكتب التى يقرأونها أو على الأقل الجيد منها.. وعدت أسأل الشاب عن نوعية الكتب التى يقرأها.. فقال إن الإنسان متقلب المزاج.. فأحيانا أقرأ كتبا علمية وأحيانا أخرى أهتم بالأدب وأحيانا ثالثة بالكتب الدينية وفى الشهر المبارك أفضل قراءة الكتب الأخيرة.

ووجهت إلى الشاب سؤالا آخر عن قضية الشباب والقراءة.. فأجاب قائلا، إننا كشباب نتهم ظلما بأننا لا نقرأ أو لا نحب القراءة.. ولكن هذا غير صحيح.. فالقراءة تعود.. وحينما يتوافر الكتاب الرخيص ويصبح فى متناول كل الشباب فما الذى يحول بينه وبين تعود القراءة.. وينهى الشاب إجابته بتساؤل لماذا لا تخصص طبعة رخيصة من كل كتاب إلى جانب الطبعات الضخمة حتى يستطيع الشباب الإلمام بكل نواحى العلوم والثقافة وبثمن يتناسب مع دخله ولتسمى طبعات للشباب مثلا.

الفن والبلدية

من الإسكندرية جاء إلى القاهرة.. جاء الفنان الشاب ليعرض فنه على رواد الحى العريق فى رمضان حى الحسين.. اتخذ له زاوية صغيرة أمام المسجد ووضع بعض لوحاته دون تثبيت على الحائط وبدأ يمارس نشاطه.. وفنان السلويت أنور محمد حاصل على عدة جوائز من بعض المعارض الفنية التى اشترك فيها ومنها معرض دمشق الدولى ومعرض طرابلس الدولى أيضا وله معرض دائم فى محطة الرمل.. التقيت به فى أحد الأيام واتفقت معه أننى سأحضر ومعى مصور فى اليوم التالى لالتقاط بعض الصور لنشاطه.. ولكن فى اليوم التالى لم أجده وحينما وجدته كان ذلك بعد جهد كبير، فقد أجبرته البلدية على إخلاء المكان الصغير الذى يشغله ووقف الشاب حائرا فى مكان وبقيت لوحاته ورسومه فى مكان آخر.. وتساءلت عن مدى حرص البلدية على تطفيش هذا الفنان الشاب ومضايقته بينما الميدان يموج ببائعى الكوكاكولا.. والفاكهة.. والفول والطعمية.. إلخ.

ونفس الذى حدث مع أنور محمد حدث مع زميله رسام الفحم أحمد شهاب الذى اضطر إلى ترك لوحاته فى حوزة بائع الفاكهة، حيث وضعها الأخير إلى جوار أقفاصه.. وأخيرا.. وليس آخرا.. أن الشباب ينقب عن وجوده.. ويبحث عن ذاته.. يحاول أن يجدها فى كلمة أو مشهد تمثيلى أو بيت من الشعر أو لحن موسيقى بعد أن ضاعت منه تلك النفس طويلا فى متاهات من الفن الرخيص والأدب الهابط والأفكار السقيمة.. فهل نترك له الفرصة لإجراء تجربته أم نضع أمامه العراقيل والعقبات ثم نتركه كمن رقص على السلالم؟.. طبعا مع الاعتذار لسها هانم.

السنة الأولى – العدد الخامس والأربعون – 4 سبتمبر (أيلول) 1977 – 21 رمضان 1397 – 10 قروش

أضف تعليق