أن تكون يهوديًا بعد غزة: كتاب يفتح جراح الضمير اليهودي ويقوّض شرعية الصمت

أن تكون يهوديًا بعد غزة: كتاب يفتح جراح الضمير اليهودي ويقوّض شرعية الصمتصورة تعبيرية

منوعات19-6-2025 | 22:23

في أعقاب الدمار الشامل الذي خلفته الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، تصدّى الكاتب والمفكر اليهودي الأمريكي بيتر بينارت للسؤال الأخلاقي الأكثر إلحاحًا داخل الهوية اليهودية المعاصرة: هل يمكن الدفاع عن إسرائيل بعد كل هذا القتل باسم الدين والهوية؟ في كتابه الصادر عام 2025 عن دار Alfred A. Knopf بعنوان "أن تكون يهوديًا بعد دمار غزة: مراجعة أخلاقية" (Being Jewish After the Destruction of Gaza: A Reckoning)،

تقول دكتورة يارا خالد، باحثة العلاقات الدولية، في عرضها للكتاب: يخرج بينارت من عباءة المثقف الليبرالي إلى فضاء التمرد الأخلاقي على السردية الصهيونية، طارحًا رؤية فكرية عميقة لإعادة تعريف الانتماء اليهودي، مفككًا العلاقة التي صاغتها الصهيونية بين اليهودية والقمع، بين الدين والدولة، بين الذاكرة والسلطة.

يستعرض كتاب "أن تكون يهوديًا بعد دمار غزة" للمفكر الأمريكي اليهودي بيتر بينارت الأزمة الأخلاقية التي تواجه إسرائيل عقب عدوانها الأخير على غزة، ويكشف عن تحوّل جوهري في الخطاب اليهودي الليبرالي داخل الولايات المتحدة. يشكّل هذا العمل لحظة مفصلية في الفكر اليهودي الأمريكي، إذ يتجاوز الطرح التقليدي المؤيد لحل الدولتين، ليصل إلى نقد جذري للبنية السياسية والدينية لفكرة الدولة اليهودية ذاتها، بوصفها نقيضًا للمساواة ومشروعًا دائمًا لإعادة إنتاج العنف.

بينارت، الذي بدأ حياته داعمًا قويًا لإسرائيل، شهد تحولًا جذريًا في مواقفه إثر حرب غزة، ليصبح أحد أبرز الأصوات التي تدعو إلى تفكيك العلاقة بين الهوية اليهودية والدولة الإسرائيلية. ومن موقعه كمفكر ينتمي لليهودية، وليس خصمًا لها، يحاكم الصهيونية أخلاقيًا باستخدام نصوص التوراة والتلمود، مُؤكدًا أن ما تمارسه إسرائيل لا يمكن تبريره لا دينيًا ولا أخلاقيًا.

يأتي هذا الطرح في وقت يتزايد فيه الضغط الدولي على إسرائيل، مع تصاعد حركات المقاطعة مثل BDS، واتساع الهوة بينها وبين منظمات حقوق الإنسان. وبينما تصمت معظم النخب اليهودية الليبرالية في الغرب خوفًا من فقدان الشرعية أو التهم بالعداء للسامية، يقدّم بينارت بديلًا أخلاقيًا شجاعًا، داعيًا إلى إعادة تعريف اليهودية بعيدًا عن الدولة والعسكرة.

تفكيك السردية التوراتية والهوية المُضطهدة:

في الفصل الأول، يتناول بينارت الفكرة المركزية في الوعي اليهودي المعاصر القائلة: "حاولوا قتلنا، نجونا، فلنأكل"، والتي تشكل أساس سردية الضحية الأبدية. لكنه يحذّر من خطورة هذه الرؤية حين تتحوّل إلى تبرير دائم للعنف ضد شعب آخر، كما هو الحال مع الفلسطينيين. ويبيّن كيف أن الأعياد والاحتفالات اليهودية باتت تُستخدم لترسيخ صورة اليهودي المضطهد، مع تجاهل تام لقصص العنف التي ارتكبها اليهود أنفسهم، مثل التطهير في كنعان.

وتتابع د. يارا، من خلال هذا الطرح، يُعيد بينارت صياغة العلاقة بين الذاكرة التاريخية والواقع السياسي، موضحًا أن هذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ يمنع النقد الذاتي، ويحوّل الفلسطينيين إلى "أعداء أبديين" في سردية لا تسمح بالمراجعة أو التعاطف.

إعادة تعريف الضحية والجلاد:

في الفصل الثاني، يتناول بينارت هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 على المستوطنات الإسرائيلية، مُظهرًا معاناة المدنيين الإسرائيليين من خلال شهادات إنسانية مؤثرة. لكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل ينتقد تحويل هذا الحدث إلى "هولوكوست مصغّر" لتبرير الجرائم الإسرائيلية اللاحقة بحق آلاف المدنيين في غزة. ويرى أن التركيز على لحظة العنف الفلسطيني مع تجاهل عقود من الحصار والاحتلال يُشكّل خيانة للحقيقة الأخلاقية.

ويُبرز في هذا السياق معاناة الأطفال الفلسطينيين الذين وُلدوا في ظروف الاحتلال، ليُعيد ترتيب مفاهيم الضحية والجلاد، رافضًا التبسيط السائد الذي يُبرّئ إسرائيل ويشيطن الفلسطينيين.

تفكيك الرواية المؤسسية والتاريخ المُحرّف:

في الفصل الثالث، يهاجم بينارت المؤسسات اليهودية الكبرى في أمريكا وإسرائيل، مثل AJC وADL، مُتهمًا إياها بترويج سردية مُنتقاة تخفي جرائم 1948، وتتغاضى عن واقع الاحتلال اليومي للفلسطينيين. ويستند في نقده إلى وثائق إسرائيلية وأعمال مؤرخين مثل بني موريس لإثبات أن الطرد والتهجير لم يكن عرَضيًا بل ممنهجًا.

كما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول تعريف إسرائيل كدولة يهودية، ويرى أنه يعني إقصاءً ممنهجًا للفلسطينيين، وتحويل الصهيونية إلى نظام تفوّق عنصري يُشبه نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

نقد تهمة "معاداة السامية":

في الفصل الرابع، يسلط الضوء على تحول تهمة معاداة السامية إلى أداة لقمع أي نقد لإسرائيل، حتى من اليهود أنفسهم. ويعرض حالات لطرد أكاديميين وطلاب جامعات بسبب مواقفهم المؤيدة للفلسطينيين. ويحذر من أن هذا الاستخدام المفرط يُضعف المعركة الحقيقية ضد العنصرية، ويحوّل الصهيونية إلى مرادف قسري لليهودية، في حين أن الأولى مشروع سياسي يمكن – بل يجب – نقده.

تمرد أبناء قورح:

في الفصل الأخير، يستحضر بينارت قصة قورح في التوراة، الذي تحدى سلطة موسى، ليُعيد تعريف التمرد من داخل النص الديني ذاته. ويدعو من خلال هذا الاستدعاء إلى تمرد أخلاقي ضد هيمنة إسرائيل على معنى اليهودية. ويطالب المفكرين اليهود بالتحرر من الخوف والتبعية السياسية، وتحمّل مسؤوليتهم التاريخية في مواجهة الظلم الذي يُمارس باسمهم.

وتختم كلامها د . يارا : يُعد كتاب "أن تكون يهوديًا بعد دمار غزة" وثيقة فكرية نادرة تعكس تحوّلًا عميقًا داخل العقل اليهودي المعاصر، وتُسهم في فتح باب لا يمكن إغلاقه نحو مساءلة العلاقة بين الدين والدولة، وبين الذكرى والضمير. إنه نداء من قلب المؤسسة اليهودية الغربية إلى التمرد على الصمت، والبدء في كتابة سردية جديدة: سردية عدالة، لا انتقام؛ وضمير، لا تحصين للدم.

أضف تعليق