أبرياء.. وطغاة

أبرياء.. وطغاةنسيم الهواري

الرأى21-7-2025 | 08:01

ليس من المبالغة في شيءٍ أن نقول إننا أصبحنا نعيش في عالمٍ متداعٍ متهالكٍ قد أشرف على النهاية، ذلك العالم الذي خلا من النظام وأوشك أن يخلو من صحيح الاعتقاد.

وأيُّ شيءٍ أدلُّ على قرب فناء العالم من أن تقوم فئةٌ فاجرةٌ باغيةٌ بتجويع الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل، حتى يكون الجوع هو مسلك الموت إلى نفوس أولئك الأبرياء؟!

وأيُّ كربٍ أدعى لرجاء فناء العالم من إقدام فئةٍ خسيسةٍ طاغيةٍ على إظماء الضعفاء الذين لا خوف منهم ولا خطر، حتى يكون الظمأ هو رصاصة الرحمة لوميض الحياة في أبدان أولئك الضعفاء؟!

وأيُّ زلزالٍ يتضعضع له الكيان، وتميد معه الدعائم والأركان، من أن يتغلغل الإجرام في نفوسٍ فتُزهق الأرواحَ جوعًا، وتسلُب الحياة عطشًا؟! وأشدُّ منه وأعتى ذلك الصمت العاجز المهين الذي تصيخ له الأسماع حتى تتمنى أن تكون قد أصيبت بالصمم تمسكًا بآخر أهداب الأمل وفرارًا من الشعور بقرب تهشم بابٍ كان موصدًا أمام لعنات موشكة الحلول؟!

ومن الحق الذي لا مراء فيه أن الحياة الإنسانية لم تخل عبر تاريخها الطويل من ذلك الصراع الأزلي بين أولئك الطغاة خادمي الشهوات، وأولئك الأبرياء خادمي المبادئ السامية والمثل العليا.

ومن الحق الذي لا مراء فيه أيضا أن أرواح الأبرياء النقية ودماءهم الزكية كانت هي الضريبة التي تدفعها الإنسانية لتحفظ أسمى معانيها عندما تفشو بين أبنائها آفات الأنانية والأثرة وانطماس جذوة الضمير.

وقد قضى الخالق سبحانه أن تكون النفس البشرية واقعة تحت نير صراعٍ أزليٍّ أبديٍّ ما بين النخوة والأريحية والسمو من جهة وما بين الغنيمة والمنفعة وعاجل اللذة الآثمة من جهة أخرى.

وقد يفوز بالنفس في ذلك الصراع أشرفُ ما فيها من الغيرة على الحق، والبغض للبغي والعتو والإجرام، وقد يفوز بها أرذل ما فيها من الخنوع والجشع والمراء والاستسلام لصغار المتع والأهواء.

وقد كانت أرواح الأبرياء النقية ودماؤهم الزكية هي اللهيب الذي ينأى بنفوس أبناء الإنسانية عن الأغوار المرذولة من الخسة والأثرة والخنوع وموت الضمير.

وقد كانت أرواح الأبرياء النقية ودماؤهم الزكية هي السُّلَّم الذي ترتقى به نفوس أبناء الإنسانية إلى الأفق الأعلى من النخوة والإيثار والأريحية ويقظة الضمير.

أما وقد طغى الران على القلوب إلى الدركة التي تألف فيها الأبصار مناظر الدماء، وتألف فيها الأسماع أخبار القتل والبغي والاعتداء؛ فما من خيرٍ يُرجَى لهذا العالم إلا بفناء العالم، وما من نجاةٍ تُنتَظَر لتلك الإنسانية إلا بفناء الإنسانية.

وأيُّ خيرٍ يُرجى لعالمٍ تضافر فيه الطغاة على باطلهم حتى صيَّرُوه هو الحق المبين؟! وأيُّ نجاةٍ تُنْتَظر للإنسانية بعد أن انكبَّ أبناؤها على شهواتهم وأهوائهم حتى صيَّرُوها هي القانون الرصين؟!

وهل هناك أعجب من أن تتجلى الوحدة الإنسانية في كل شيء في هذا الزمان إلا في ضمير الإنسان وقدسية روح الإنسان؟!

هل يكون الأبرياء هم المخطئون؟! هل يكون البغاة هم المصيبون الصالحون؟! وأي خطأٍ هذا الذي يدفع الأبرياء إلى بذل النفوس والتضحية بالأرواح في سبيله؟! وأي صوابٍ هذا الذي يحمل الطغاة على استخراج أبشع ما في النفس من تعطش للقتل والتدمير والتشريد؟!

إن كان الأبرياء على خطأ فهو ذاك الخطأ الشريف الذي لا يستطيعه إلا القليلون، والذي لا يراه خطأً إلا الأخساء وعبيد الشهوات وضعاف النفوس، وإن كان الطغاة على صواب فهو ذاك الصواب الوضيع الذي يقع فيه الكثيرون، والذي لا يراه صوابًا إلا الأخساء وعبيد الشهوات وضعاف النفوس.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان