كانت السيدة هاجر - على ما يرويه كثير من أهل السير والتاريخ - امرأةً مصرية، خرجت من أرض النيل بما فيها من حضارةٍ وطمأنينة، ثم ساقها قدر الله لتكون جزءًا من أعظم قصة يقين عرفتها البشرية.
ولم يكن اختيار الله لها أمرًا عابرًا؛ فقد شاء سبحانه أن تكون امرأة من مصر هي الأم التي ينشأ من نسلها نبي الله إسماعيل عليه السلام، ومنها تبدأ رحلة العمران في مكة، ويُرفع أساس البيت الحرام.
وهكذا بقي اسم هاجر مرتبطًا في وجدان المسلمين بالصبر والإيمان والسعي واليقين، حتى صار ذكرها خالدًا مع شعائر الحج إلى يوم القيامة.
ما كانت هاجر امرأةً عابرةً مرّت في تاريخ النبوة كما تمرّ الظلال على جدران الأيام، بل كانت قلبًا عظيمًا اختاره الله ليكون مهدًا لدرسٍ خالدٍ في اليقين؛ ذلك ال يقين الذي إذا سكن الروح، جعل الصحراء جنّةً، والوحدة أُنسًا، والخوف طمأنينةً تتنزّل من السماء كما يتنزّل المطر على الأرض المجدبة.
كانت امرأةً ضعيفةً في ظاهر العين، لا جيش يحرسها، ولا أهل يؤنسون وحشتها، ولا أسباب تستند إليها، ولكن الله إذا أراد أن يُظهر عظمة الإيمان، اختار له القلوب التي تبدو للناس واهنة، ثم يسكب فيها من نوره ما يجعلها أصلب من الجبال.
خرج بها إبراهيم عليه السلام ذات صباح، يحملها وتحمل طفلها الرضيع، حتى بلغ ذلك الوادي المقفر الذي لم تكن فيه شجرةٌ تلوّح للحياة، ولا عين ماءٍ تهمس بالرجاء، ولا بيتٌ يأوي غريبًا أو يضم وحيدًا.
كان المكان ساكنًا سكون القبور، كأن الحياة لم تطأه منذ خُلقت الأرض. والرمال تمتد فيه كبحرٍ أصفر لا ساحل له، والشمس تصبّ نارها على الوادي صبًّا، حتى ليخيّل للناظر أن الهواء نفسه يحترق.
ثم وقف إبراهيم.
وقف ذلك الوقوف الذي ترتجف له القلوب؛ وقوف الرجل الذي يعلم أن وراءه أمرًا من الله، وأمامه قلب امرأةٍ سيفجعه الفراق.
وضع عندها جرابًا فيه قليل من الزاد، وسقاءً فيه شيء من الماء، ثم استدار منصرفًا.
وما أقسى ظهور الراحلين حين يبتعدون عن العيون!
تبعته هاجر ببصرها الملتاع، ثم نادته بصوتٍ كانت ترجف فيه الإنسانية كلها:
"يا إبراهيم… إلى أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟"
لكنه مضى، لأن الطاعة حين تنادي، تصمت أمامها عواطف البشر.
كررت السؤال، وهو لا يلتفت، حتى أدرك قلبها أن وراء الصمت سرًّا أكبر من الكلمات، فقالت:
"آلله أمرك بهذا؟"
فقال: نعم.
وهنا…
هنا وقع الأمر الأعجب.
لم تصرخ، ولم تنهَر، ولم تتعلق بثوبه ترجوه البقاء، بل سكنت روحها فجأة، كأن نسمةً من السماء مرّت على قلبها فأطفأت كل خوف.
وقالت تلك الكلمة التي بقيت تتردد في جنبات التاريخ كترتيل إيمانٍ لا ينقطع:
"إذن لا يضيّعنا."
ما أعظمها من كلمة!
كلمةٌ خرجت من قلب امرأةٍ وحيدةٍ في صحراء موحشة، لكنها كانت أثقل عند الله من جبال الأرض كلها؛ لأنها لم تكن كلمة لسان، بل كانت يقين روحٍ رأت الله أكبر من الصحراء، وأقرب من العطش، وأرحم من الدنيا كلها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة اليقين.
مضى إبراهيم، وبقيت هاجر وحدها تحت السماء الواسعة، تضم طفلها إلى صدرها، كأنها تضمّ قلبها نفسه. وكانت الشمس تمضي في كبد السماء بطيئةً ثقيلة، حتى أخذ الماء ينفد شيئًا فشيئًا، وأخذ العطش يزحف إلى شفتي الطفل الصغير زحف النار في الهشيم.
يا الله…
أي قلبٍ يحتمل أن يرى طفله يذبل عطشًا بين يديه؟
كانت تنظر إلى وجه إسماعيل، فتراه كوردةٍ صغيرة بدأت الريح الحارقة تسرق نضارتها. وكانت تسمع أنينه، فيتقطع قلبها كما تتقطع الورقة اليابسة تحت أقدام العابرين.
فنهضت..
نهضت الأم التي يدفعها الحب حين تعجز الأسباب.
صعدت الصفا، تتلفت بعينين أنهكهما الرجاء، علّها ترى ماءً، أو قافلةً، أو ظلّ نجاة. فلم ترَ إلا الصحراء ممدودةً كأنها بحرٌ من الصمت.
فنزلت مسرعةً، حتى إذا بلغت بطن الوادي، أسرعت كأن قلبها يركض قبل قدميها، ثم صعدت المروة، وعادت تنظر، وتبحث، وتنتظر.
سبع مرات..
سبع مراتٍ وهي تسعى بين جبلين، لا يحملها إلا يقينٌ خفيّ يقول لها: إن الله الذي أمرك بالبقاء هنا لن يتركك للموت.
ولو نظر الناس بعين الدنيا لقالوا: ما جدوى هذا السعي في صحراء لا ماء فيها؟
لكن القلوب المؤمنة لا تسعى لأنها ترى النتائج، بل لأنها تؤمن بالله.
وكانت هاجر في تلك اللحظات تُعلّم البشرية كلها معنى التوكل؛ فالتوكل ليس أن يجلس الإنسان مستسلمًا للضياع، بل أن يبذل جهده كله، وقلبه معلقٌ ب الله وحده.
ثم جاءت الرحمة.
يا لرحمة الله حين تأتي!
بينما الأم الملهوفة تركض في فلاة اليأس، إذا بالماء يتفجر تحت قدمي طفلها الصغير. تفجّر زمزم كما يتفجر الفجر من قلب الليل، وكأن السماء قد شقّت صدر الأرض اليابسة، فأخرجت منه نبع الحياة.
فأسرعت هاجر إلى الماء، تضمه بيديها المرتجفتين، وهي تقول: «زمّي زمّي»، تخشى أن يضيع منها ذلك الفيض السماوي.
ومن يومها لم يعد زمزم ماءً فحسب، بل صار شاهدًا خالدًا على أن الله لا يخذل القلوب التي أحسنت الظن به.
ولو شاء الله لأنزل عليها مائدةً من السماء دون سعي، ولكنه أراد أن يعلّم عباده أن الفرج يولد أحيانًا عند آخر خطوةٍ يظن الإنسان بعدها أن طاقته قد انتهت.
ثم مضت الأيام، وصار ذلك الوادي المقفر مهوى أفئدة المؤمنين، وصارت أقدام الملايين تسعى بين الصفا والمروة، تستعيد بقلوبها قصة امرأةٍ وحيدةٍ لم يكن معها إلا الله… فكفاها الله.
وما أعجب هذا السعي!
إن الناس يهرولون اليوم بين الجبلين، ولكن قليلًا منهم من يشعر أنه يسير فوق دموع أمّ، وفوق أنفاس قلبٍ كان يرتجف بين الخوف والرجاء.
فالسعي ليس حركة أقدامٍ فحسب، بل هو ترجمةٌ حيّة لمعنى اليقين؛ أن تمضي في الطريق ولو لم ترَ النهاية، وأن تطرق باب الله ولو أغلقت الدنيا كلها أبوابها، وأن تؤمن أن رحمته أقرب إليك من يأسك.
ولهذا بقيت هاجر خالدةً في شعائر الحج إلى يوم القيامة.
لم تكن نبية، ولا ملكة، ولا صاحبة سلطان، ولكن الله رفع ذكرها لأنها امتلكت ذلك القلب الذي لا يرى الماء بعينيه، بل يراه بوعد الله.
وهكذا يظل الحج كله تذكيرًا خالدًا بأن الطريق إلى الله لا يُقطع بالقوة وحدها، بل باليقين. وأن العبد قد تضيق به الأرض حتى يظن أن لا نجاة، ثم يفتح الله له من رحمته ما ينسيه كل خوف.
فطوبى للقلوب التي إذا انقطعت بها الأسباب، لم تنقطع عن رب الأسباب.