تعالوا نملك قطعة من أرض مصر !

تعالوا نملك قطعة من أرض مصر !أنيس منصور

كنوز أكتوبر8-9-2022 | 22:16

أنيس منصور

أكثر أرضنا: صحراء.
وأكثر شعبنا: أميون.

ولا بد أن نصلح الأرض البور والعقول البور، لنعلم الأرض كيف تنطق بالتدريج، وكيف تزهى بالزهر، وكيف تفوح بالعطر، وكيف تكون لها ظلال تحتها أغنام وأبقار، ونعلم الهواء كيف يصبح فراشات، ونعلم الفراشات كيف تنتقل من شجرة إلى شجرة، ونعلم الأشجار كيف تحتضن النحل وكيف يكون للنحل عسل.. أي كيف تكون الصحراء جنة في الأرض..

ثم كيف يتحول المواطنون من كائنات تروح وتجيء.. تأكل وتشرب وتتناسل، إلى آدميين.. أفكارهم زهور وطيور.. لها ماض ولها مستقبل.. وتصبح أيديهم العاملة عاقلة أيضًا..
الأميون أيديهم جاهلة.. ومهما كانت أيديهم قادرة على الإنتاج فهى عاطلة أيضًا..

ولا يمكن أن نزرع الصحراء البور بعقول بور لأن فاقد العلم لا يعطيه، وفاقد الحياة لا يمنحها.. فالذين يعلمون الصحراء.. يجب أن يكونوا هم أيضًا متعلمين..

وذلك عبء عظيم لا يستطيع أن ينجزه جيل واحد.. وإنما أجيال.. ولهذا كانت الصحراء أمل الأجيال كلها..

ولسنا وحدنا الذين نزحف على الصحراء، وإنما شعوب أخرى كثيرة.. لأن أكثر الكرة الأرضية صحراء، رملية أو جليدية.

ثم إن مياه المحيطات مساحات هائلة معطلة.. فنحن لم نستغل المحيطات بعد.. ففي المحيطات حياة وعناصر الحياة، وكما يمكننا زراعة الصحراء يمكننا أيضًا زراعة المحيطات.. ويوم تضيق الأرض بنا، أو نضيق بها فسوف نذهب إلى الكواكب الأخرى بحثا عن طعام لجياع الأرض ودواء لمرضاها..

ولن يتحقق ذلك إلا فى ألوف أو ملايين السنين.. ولا أدعي أنني من الذين يولعون بأن تكون لهم أرض فأنا ريفي ولكني لست فلاحا.. فقد ولدت في الريف، ولم أعش به، وعندما عشت في الريف كنت أجري وراء أبي، أو أرتمي على صدره من مكان إلى مكان.. من أرض لا نملكها، إلى أرض أخرى لا نملكها، أكبر وأوسع..

فقد كان أبي مأمورًا لتفاتيش عدلي باشا يكن وعز الدين يكن وغيرهما من أمراء زمان.. ولم تكن الأرض التي نعيش فيها إلا مثل منصات القفز.. نقف عليها لكي نقفز منها.. أو كانت مثل منصات إطلاق سفن الفضاء.. محطات ننتقل منها إلى أماكن أخرى.. وليس وراءنا إلا الندم على ما فات، والخوف مما هو آت.. فلم تكن الأرض المزروعة إلا غابات موحشة.. أو غابات مليئة بالوحوش.. فلم تقع عيني على أرض، وإنما وقعت أنا على كل أرض.. وفي كل مرة أرتفع عن الأرض ألعنها.. هي ومن عليها وما عليها..

ولذلك لم أحب الأرض ولم أفكر في أن أملك أرضا، وقد عوضني الله عن ذلك بأن أملك الكتب، أي أن أملك بيوتا من ورق، أحتمى بها من العواصف.. وكانت العواصف كلها تهب من أرض مزروعة واسعة شاسعة، ولكنها رغم ذلك تضيق بنا.. ففي كل مرة أراها أغمض عيني عنها؛ لأن خضرتها قاسية، واتساعها ضيق، وثرواتها حرمان، وخيراتها ألم!

ومنذ عشرين عامًا ذهبت مع عدد من الأصدقاء الفنانين إلى ضاحية «عزبة النخل» لنشتري أرضًا – أسف – ليشتروا أرضًا، فقد رافقتهم فقط وكان المتر بثلاثة قروش.. واشترى كل واحد فدانا.. ولم أشتر شيئًا ولم أجد معنى لذلك ورفضت الفكرة.. ولم أعرها أي اهتمام.. فالثأر بيني وبين الأرض قديم.. وإحساسي كان دائمًا أنني مثل شجرة كلما وضعوها في الأرض عادوا فاقتلعوها، فأنا أنظر إلى الأرض كأنها تخشيبة في قسم بوليس أو محكمة.. أو كأنها «منطقة عزل صحي».. إنه يجب عزل أي إنسان لاعتبارات صحية.. أي خوفا عليه من المرض، وكان إحساسي دائمًا أنني مصدر المرض والدليل على ذلك، أننا كنا نمشي ونترك الأرض وما عليها ومن عليها وراءنا، آمنة مطمئنة!

واكتفيت بأن كتبت مقالا أسخر من مجرد أن يكون للإنسان أرض يبنى عليها بيتا، أو يضع فوقها جاموسة.. أو يعلق عليها لافتة ويقول: هذه أرضي أنا.. وتلك أرضك أنت.. وهذه أرضهم هم!

وعلى أن "الامتلاك" غريزة عند الإنسان والحيوان.. وعلى الرغم من ذلك فليس كل الناس يملكون أرضا، فهناك من يملك البيت ومن يملك السيارة.. ومن يملك حريته..

ومن مظاهر الحرية أن يقول الإنسان: إن الذي أملكه يملكني أيضا، وبقدر ما يملك الإنسان من الأشياء بقدر ما يكون أقل حرية!

فالذي عنده بيت خائف من السكان، والذي عنده أرض خائف من المستأجرين.. والذي عنده زرع خائف من الآفات..

والذي لا يملك لا يخاف من شيء أو من أحد..

والذين لا يملكون يقولون أيضا: إن الشحاذين هم أكثر الناس حرية.. فلا أحد يعيب عليهم سلوكهم، ولا أحد يعيب عليهم فكرهم..

والناس يقولون: عن الشحاذين يكفي أنهم شحاذون.. أي أنه لا لوم عليهم أن يفعلوا أي شيء.. فلا نؤاخذهم.. أى أننا لا نطبق عليهم قيود الذين يملكون..

وهذا يمكن أن يقال، ويقال، ولكنه "تبرير" فقط، فقد ندمت كثيرا على أنني لا أجد موطئ قدم في أي مكان أستطيع أن أقول إن هذا ملكي، وعند هذه الأرض وحولها حدود حريتي، وحدود حريات الآخرين.

ولذلك كانت الأرض والعرض بمعنى واحد.. فالذي يعتدي على أرضي التي أملكها، كالذي يعتدي على ثوبي، على جسمي، على عقلي.. على زوجي على ولدي.. على كرامتي وشرفي!

والفلاحون أكثر الناس ارتباطا بالأرض وقديما عبدوا الأرض، كما عبدوا السحاب والأنهار والشمس أي أن الإنسان قد عبد كل مصادر الحياة!

والوطن كله أرض لكل الناس، ولذلك فالوطنية هي حب أرض الوطن، والدفاع عنه والموت في سبيله، والذين يحبون بلادهم ليسوا فقط الذين يملكونها، بل إن أكثر الذين يدافعون عن بلادهم لا يملكونها.. فهم أنبل وأشرف وأعظم، لأنهم يدافعون عن الأرض التي لا يملكونها.. وإنما هم يدافعون عن التاريخ.. عن الشرف.. عن الكرامة.. عن الحرية.. عن السيادة.. ضد الظلم والإرهاب والقهر والاغتصاب..

فإذا كان الإنسان وطنيا، ثم هو في نفس الوقت يملك قطعة من أرضه.. أو جانبا من تاريخها، فهو أكثر الناس ارتباطا بالوطن، لأنه يملك قطعة من الوطن ولأنه هو أيضا قطعة من الوطن!

والنداء إلى تحرير الصحراء من البور، أو تعمير الصحراء الخضراء، هو دعوة أيضا لتوطين المواطنين.. أي جعلهم أكثر وطنية، وأشد تفانيا في حب مصر والدفاع عنها، والموت من أجلها..


الفيلسوف العربي ابن خلدون

والفيلسوف العربي ابن خلدون هو أول من التفت إلى الفرق بين سكان الصحاري وسكان المدن، أو أخلاقيات البدو وأخلاقيات الحضر – أي أبناء المدن.. أو الفرق بين البدوي والفلاح والمدني – أي ساكن المدينة، وابن خلدون يقول إن بناء المدن مرحلة متحضرة على إقامة الخيام، ولذلك فالذين يبنون المدن ويعمرون الأرض أكثر علما من أبناء البادية الذين يقيمون الخيام على الرحل في مهب الرياح، ويتنقلون وراء المطر أو ينتطرون المطر حتى إذا سقط اخضرت الأرض، فإذا اخضرت أقاموا حتى تأكل حيواناتهم..

والفلاحون إذا أقاموا بيوتا، فهي بيوت أقرب إلى شكل الخيام: هزيلة متهدمة ليس لها أساس علمي، ولذلك فالدولة هي التي يجب أن تقيم المدن، وهي التي يجب أن تزرع الأرض، لأن الدولة أقدر مالا وأكثر علما.. أو هي التي تقدم المال والخطة لمن يريد أن يبني بيتا.

وابن خلدون هو أول من قال: إن الدولة إذا أرادت أن تغير أخلاقيات الناس ومعنوياتهم أسكنتهم الأرض المزروعة، وأقامت لهم بيوتا.

إن الدولة بذلك تستجيب إلى طبائع الناس، وتجعلهم جنودا على أرضهم.

أي أن الدولة تستحث غريزة الامتلاك عند الناس.. فكل إنسان يريد أن يملك، وأن يستقر، وأن يأمن، وأن تكون له جذور كالشجرة، أو تكون له قواعد كالبيت، وفي ذلك تعميق وتأصيل لمعاني الوطن والوطنية والكرامة والشرف والمحبة بين الناس.. وإنما الكراهية تكون عندما يملك أقل الناس، ولا

يملك أكثر الناس.. والكراهية هي أم الحقد، والحقد أبو الصدام، الذي هو أبو الحرب بين الطبقات..

حتى الدول الشيوعية التي رأت أن الامتلاك شيء، وحررت الناس جميعا من أن يكون لهم شيء يملكونه، عادت فأعطت لكل واحد بيتا وسيارة.. وأعطت لكل واحد مساحة من الأرض يزرعها.. أي أن هذه الدولة التي نظرت للإنسان على أنه حيوان يرعى في الأرض، عادت فصححت هذا الوضع اللا إنساني.. وردت له بعض إنسانيته أو جانبا من غريزته..

ولن نستطيع أن نزرع كل الصحاري في وقت قصير – لا نحن ولا غيرنا - من الذين يعيشون على هوامش الصحاري الرملية أو الجليدية، وإنما ذلك يحتاج إلى وقت طويل أي إلى أجيال كثيرة قادمة، ولكن من المؤكد أن هذا سوف يحدث..

ولن نقوم بتعمير الأرض في مصر مثلا بنفس السرعة التي يتزايد بها عدد السكان فسوف نكون أكثر عددا، وتكون أرضنا أضيق مساحة، وليس من الحكمة أن نقف في الطابور واحدا وراء واحد حتى يجيء دورنا في احتلال الأرض الصفراء وتعميرها أو تعليمها كيف تكون خضراء..

ولو وقف الشباب منتظرا دوره فإن هذا لن يجىء ولذلك يجب أن يفعل الشباب أي الأجيال القادمة شيئا إيجابيا.

وليس أمامهم إلا العمل في مصر أو في غيرها والأرض العربية والأجنبية واسعة، والإنسان يجب أن يعمل في أي أرض، وأن يكون نافعا في أي موقع.. والطبيعى جدا، بالنسبة للمصريين أن يهاجروا أو يغتربوا: يجمعون المال ليشتروا أرضهم – قطعة من أرضهم بعد ذلك.. أي ليشتروا صحاريهم.. فكأنهم ذهبوا أبعد ليعودوا أقرب إلى الأرض..

وإذا كان النيل قد وهبنا مصر، فإنه قد أعطانا المثل لكي نعمر الصحراء.. وذلك بأن نشق فيها الأنهار والطرقات وأن نعمر البيوت وأن نتجاور ونتقارب ونتكاتف دفاعا عنا.. أي دفاعا عن مصر اليوم وغدا.

فيا أيها المصريون تعلموا وعلموا أرضكم الصفراء أن تكون خضراء.. وحتى تزداد أرضنا إخضرارا وإزهارا وطيورا، يجب أن نعلم الفلاحين الأميين..

وإلا كان الفلاح الجاهل مثل رمال الصحراء تسقط على الأرض المزروعة فتجعلها أقل خصوبة وأقل ثمارا.. وبذلك يكون الفلاح الجاهل آفة زراعية..

فلنعمل على زرع الأرض البور وتعميرها، وتنوير العقول البور وتثقيفها، لأنه إذا كانت الصحراء خرابا، فإن الجهل تخريب!

ونحن لا نغزو الصحراء لتهزمنا، وإنما لننتصر عليها.. وننتصر أيضا على أنفسنا: أي على الصحاري التى فوق أكتافنا نحن الأغلبية الساحقة من المصريين.

تم النشر فى السنة الأولى – العدد الخامس والثلاثون – الأحد 26 يونيو «حزيران» 1977 – 9 رجب 1397

أضف تعليق

«المركزي» في مواجهة التحديات

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة