رزق عبد السميع
محمـــــد أمين
لم يكن فقيرًا مُعدمًا ، ولا سفيهًا لا يؤبه له، بل كان ثريًّا واسع الثراء، وجيهًا يُشار إليه بالبنان، ويحتل الصدارة من قومه، كان حريًّا إذا خطب أن يُنكَح،
وكان أهل القرية قد اعتادوا على أن يسافر باخوم ثم يمكث ما بين العام والعامين ثم يعود إلى قريته وينعم أهله ببره المادي ما بين أموال يقوم بتوزيعها على الفقراء،
كان ألبيت الحرام يحتل مكانةً بارزةً في قلوب أهل مكة، ولمَ لا وهو مصدر عزِّهم وفخرهم وأساس مكانتهم الرفيعة بين العرب
كان باخوم نصرانيًّا ديِّنًا، يختلف بين الحين والحين إلى ورقة بن نوفل ليشاركه في أداء بعض الصلوات، وكان قد سمع من غير مرَّةٍ عن اقتراب ظهور نبي آخر الزمان
من دواعي فخرنا، نحن المصريين، أنَّنا أصهار خليل الله إبراهيم عليه السلام، وأخوال ولده إسماعيل عليه السلام
يتفاوت الفضل بين الأُمَمِ ما بين الفخر بماضٍ، والزَّهو بحاضر، وما بين العزِّ بدينٍ والعلوِّ بدنيا, ولحكمةٍ لا يعلمها إلا الله سبحانه؛ فإنَّ البلد الوحيد الذي جُمع له بين سيادة الدنيا وخدمة الدين
كان أهل قريته يبادلونه حبًّا بحب، ويمنحونه عطفًا بعطف، ويشتاقون لاحتضانه بينهم كما يشتاق لعودته إليهم.
والتفت الأب يوحنا إلى باخوم وبسمته الحانية لم تزل تكسو وجهه، وكأنَّها جزءٌ أصيل من قسماته،ونظر الأب يوحنا إلى باخوم وعيناه الطَّيِّبَتَانِ لم يفارقهما
هذا المخلوق الفاضل الناطق المفكر، هذا المخلوق الذي استخلفه ربه في أرضه، وسخَّر كل ما في الكون لخدمته، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورا
ما كان باخوم إلا بنَّاءً مصريًّا بسيطًا، عاش في القرن السابع من ميلاد المسيح، ولكنه أحبَّ عمله حتَّى أبدع فيه، وأخلص له حتَّى فاق أقرانه ومعلِّميه.
المبدعون يختلفون عمَّن سواهم في أن ما يقدمونه لا تنفرد به حاسّةٌ واحدةٌ من حواسهم، ولا تستأثر به جارحةٌ واحدةٌ من جوارحهم، ولا يسيطر عليه شعورٌ واحدٌ من مشاعرهم.